الرئيسية / طب / المهمّة الصعبة لـقراءة العقل البشري

المهمّة الصعبة لـقراءة العقل البشري

بقلم: ميليسا هوجنبوم (Melissa Hogenboom)
المحرر العلمي، راديو بي بي سي للعلوم
ترجمة: عمر أكرم المهدي
تصميم: إبراهيم الساكني

علم الأعصاب يعدُّ من المجالات الطبّية التي تشهد نموًّا سريعًا و تحظى بشعبية لدى الناس.
لكن وعلى الرغم مـما يشهده هذا المجال من تطّور، فـإنه عندما «يتحقّق فتح (كشف) علمي» بـخصوص منطقة معيّنة في الدماغ لا يكشف لنا الكثير مما نودُّ معرفته حول الآلية الداخلية التي يعمل وفقها العقل.
والكثير منّا قد رأى صورًا للدماغ و قرأ القصص عنه، حيث ثمةَ صورة جميلة للدماغ، تسلّط الضوء على منطقة منه جرى التوصّل إلى أنها مصدر لـبعض العمليات و المشاعر مثل الخوف أو الإشمئزاز، أو حتى الإضطرابات في القدرة على الإنخراط في علاقات إجتماعية.

وهنالك الكثير من القصص التي قد تقودنا إلى الإعتقاد بـأنه قد جرى الكشف عن مساحات من الغموض الذي يحيط بالدماغ، وذلك أكثر مما عليه الواقع بالفعل.
ومع أن هذه التكنولوجيا مذهلة، فإن تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي “- (functional magnetic resonance imaging (fMRI”، وهي واحدة من أشهر طرق المسح التحليلي بالأشعة، إلا أنها لا تقيس في الواقع سوى التغيّرات الموضعية لـتدفّق الدم إلى مناطق في الدماغ، ولا تصوّر الأعصاب بشكل مباشر.

ويستخدم الباحثون تلك التكنولوجيا إذا ما أرادوا التعرّف على جزء من الدماغ يقوم بمهمة (وظيفة) معيّنة، ويمكنهم من خلالها وضع شخص ما تحت جهاز مسح الدماغ، ومشاهدة المنطقة التي تكون نشطة.

 

إضاءة الدماغ – Lighting up the brain

وعندما تضيء مناطق بعينها في الدماغ أثناء عملية المسح تلك، فـإنها تشير حينذاك إلى أنها هي المسؤولة عن أداء تلك المهمة.
إلا أن صور النتائج وفكرة «إضاءة الدماغ» نفسها يمكن أن تؤدّي إلى ما هو أبعد من التفسير.

المتخصصة في علم الأعصاب بـكلية لندن الجامعية، مولي كروكيت (Molly Crockett) توضّح: ’’أنه في الوقت الذي يعد فيه إستخدام تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي مفيدًا جدًّا، فـإن الطريق لا يزال طويلًا حتى نكونَ قادرين على أن نقرأ ما يدور في عقل الإنسان من خلال عملية المسح بـالأشعة لدماغه فقط.

وأخبرت الدكتورة كروكيت بي بي سي بما نصّه: ’’لدينا مفهوم خاطئ لا يزال منتشرًاً، وهو أنه يمكنك النظر إلى بيانات تصوير الدماغ لشخص ما، ومن ثم سـتكون قادرًا على قراءة أفكاره و مشاعره، وذلك ليس صحيحًا بالتأكيد.‘‘
وأضافت: ’’سـتكون هناك دراسة قد أنجزت لتخبرنا عمّا يدور في الدماغ، إلا أن ما يسعى الناس وراءه بـالفعل هو حدوث طفرة في فهم العقل.‘‘

واستشهدت بمقال تحت عنوان: «حرفيا أنت تحب هاتف الآيفون الخاص بك»، حيث إنه في تلك الحالة لاحظ فريق البحث أن منطقة في الدماغ كان قد تم ربطها في السابق بمشاعر الحب قد نشطت عندما شاهد المشاركون في تلك الحالة جهاز الآيفون وهو يرن.
إلا أن تلك المنطقة في الدماغ أيضًا كانت قد تم وصفها من قبل بـأنها ترتبط بمشاعر «دائرة الكراهية» – “hate circuit،” والإشمئزاز، وبـأنها أيضًا هي مركز الإدمان في الدماغ. “the brain’s addiction centre.”
ويسلّط هذا المثال الضوء على ما يعرفه العديد من علماء الأعصاب، ومفاده أن منطقة واحدة بالدماغ يمكن أن ترتبط بالعديد من العمليات الإدراكية.

ويمكننا أن ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، إذ يمكننا أن نعتبر الدماغ و كـأنّه جهاز معالجة ضخم يحوي المليارات من الخلايا العصبية، حيث يُـعتقد أن كل مليمتر مكعب فيه يحتوي على حوالي مليون خلية عصبية.
لـذلك فمن المستحيل حتى الآن أن نقوم بتحليل الخلايا العصبية الفردية لدى البشر.

 

قراءة الدماغ – Brain reading

إلا أنه وعند «فك شفرة» – “decoded” البيانات التي تخرج من المناطق النشطة في الدماغ، فـإن الأنماط يمكن أن تقدّم بعض النتائج المثيرة.
وقامَ فريق بحثي بجامعة كاليفورنيا، بيركيلي، بـتقديم مقاطع فيديو لمجموعة من المشاركين في الدراسة، ووضعهم تحت جهاز مسح بـالأشعة، ثم قام بتحويل الإشارات الكهربائية في الدماغ إلى مقاطع فيديو. اتضح فيما بعد أنها تشبه إلى حد كبير ما كانوا يشاهدونه. يمكنك مشاهدة نتائجهم من هنا: http://gallantlab.org/publications/nishimoto-et-al-2011.html
لكن جاك جالانت (Jack Gallant)، صاحب الدراسة، اعترف بـأنه لم يقم بـ «قراءة العقل» – “mind reading”، لأنه لا يعلم في الحقيقة ما هو «العقل»!.

و قال: ’’من ناحية أخرى فـإنني أقوم ببعض «القراءات للدماغ»، وهي ببساطة عملية لفك شفرة المعلومات التي يتمُّ إعادة استرجاعها من قياسات نشاط الدماغ.‘‘
و تابع قائلا: ’’من الناحية النظرية، فـإن هذه عملية واضحة، ولكن أي نتائج لقراءة الدماغ سـتكون متحددة بالتأكيد بجودة قياس نشاط الدماغ، وجودة نماذجه الحسابية.‘‘

وأجرى مارتن دريسلر (Martin Dresler)، وهو من معهد ماكس بلانك للطب النفسي في ألمانيا، دراسةً مشابهة يُـظهر من خلالها أن مسح الدماغ يمكن أن يساعد في تفسير لـحركة بسيطة من أحلام المشاركين في الدراسة، كـحركة اليد مثلًا.
وقد كان المشاركون في دراسته يقتصرون على الحالمين بوضوح لأنهم قادرون على السيطرة على أحلامهم الخاصة بهم.
وتمكّنت دراسة أخرى أُجريت مؤخّرًا من إعادة تحديد وجوه ورسمها بناءً على النشاط الدماغي.

 

قياس الوعي – Measuring consciousness

وبنظرةٍ أكثر إتّساعًا، يرى باحثون آخرون أن عمليات المسح بـالأشعة للدماغ تعتبرُ أيضًا أدوات تفيد في فهم حالة الوعي.
وفي هذا الإطار، توصّلت دراسة نُـشرَت الشهر الماضي في مجلّة (لانسيت العلمية – The Lancet) إلى أن عملية تصوير الدماغ كان من شأنها أن تساعدَ في التنبّؤ بـإحتماليّة إستعادة مريض ما لوعيه.

وقال سريفاس تشينو (Srivas Chennu)، من جامعة كامبريدج: ’’إن فهمنا لحالة الوعي قد تطوَّر بشكل بارز خلال العقدين الماضيين، كظاهرة برزت من شبكات المناطق المتفاعلة في الدماغ.‘‘
وهو يستخدم صور الدماغ في إظهار كيفيّة تأثّر تلك الشبكات بتغيّر حالات الوعي، مثلما يحدث عقب إصابة المخ أو عند التخدير.
’’هذه التطوّرات تبشّر بالخير بالنسبة للفهم الكامل وقياس الأسس العصبية للوعي في العقد أو العقود المقبلة.‘‘ يقول الدكتور تشينو.
ويضيف قائلًا: ’’أنا سعيد لرؤية وجود نمط من علم الأعصاب نحاول فيه الإبتعاد عن علم تقنية الرنين ‘blobology’ حيث ننظر إلى الأجزاء من الدماغ التي تضاء لمنظورٍ أكثر تطوّرًا، وبـالتأكيد ضمن ساحة حالة الوعي.‘‘

ومن الواضح أن هذا المجال يتطوَّر بسرعة، لكن الدكتور دريسلر يؤكّد على أنه وفي الوقت الذي يمكن لتجارب بعينها أن تبدأ في تفسير أنماط التفكير بصريًّا، فـإن ذلك ممكنٌ فقط بعد ساعاتٍ طويلة من إستعداد المشاركين في الدراسة للقيام بها.
وأضاف دريسلر: ’’تبقى المشكلة الأكبر في أن كل دماغ يختلف عن الآخر، ولا يمكن تطبيق طرق معادلات رياضية حقّقت نجاحًا مع عقل شخص ما على عقل شخص آخر دون أن تكون هناك مشكلات تواجه ذلك.‘‘

وإنها ليست سوى عبارة عن «شكل خام جدًّا من قراءة العقل إذا كنت تريد تسميتها على الأطلاق»، يضيف أيضًا.
لذلك فإنه وفي الوقت الحاضر الذي أصبح فيه من الممكن رؤية أنماط تفكير جرى التحكّم بها بحذر من خلال عملية مسح الدماغ بـالأشعة، إلا أن قراءة الأفكار والمشاعر المفصّلة والمحدّدة من خلال عملية المسح فقط لا يزال ضربًا من الخيال.

 

المصـدر:-
BBC Science

عن Omar Akram Al Mahdi

Hi!: • I'm Omar Akram Al Mahdi • M.B.Ch.B. from ‎Babil University/College of Medicine • Co-founder, Editor and Manager at Iraqi Translation Project ITP • The 3 Halas #Hala_Iraq #Hala_ITP #Hala_Madrid • Briefly; World is FLASHING!

شاهد أيضاً

فوسفات الكلوروكين قد تساعد في علاج فايروس كورونا

تجارب سريرية تجرى لتحديد عقاقير فعالة لعلاج فايروس كورونا الجديد .   ترجمة : سهاد …

السجائر الالكترونية تؤثر على الأوعية الدموية حتى بدون النيكوتين

ترجمة: حيدر هاشم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   ربما تكون السجائر …