الرئيسية / إقتصاد / مليار سبب للاحتفاظ بالاقتصاد العالمي المفتوح

مليار سبب للاحتفاظ بالاقتصاد العالمي المفتوح

تدفق البضائع، الخدمات، رأس المال، الناس وحتى الأفكار عبر الحدود تمر حالياً بفترة مراجعة وجدل، على الأقل في الاقتصادات المتقدمة، عن ما كانت منذ سقوط جدار برلين.
اتفاقيات التجارة، والتي تُشكل أساس تشريعي ملموس و نادر للعولمة، تتحمل العبء الأكبر من الجدل. اعتراضات اللحظات الأخيرة للإقليم الوالوني كادت أن توقف اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي عن مسارها. الشراكة عبر المحيط الهادئ تتضمن الولايات المتحدة، اليابان و 10 دول أخرى تواجه مصير غير مؤكد على طاولة الكونغرس الأمريكي. الاتفاقية التجارية المقترحة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تبدو حاليا مشروعا مستبعد.
ليست فقط الاتفاقيات التجارية الجديدة هي التي تواجه المشاكل السياسية. على كلا طرفي المحيط الاطلسي ، يهدد السياسيون بالانسحاب من السوق الحر الحالي -وقاموا باقناع جزءاً كبيراً من الناخبين بأن السياسات الحمائية قديمة الطراز تستطيع ارجاع الوظائف ونمو دخل الفرد. وجهات النظر هذه خاطئة. التحول بهذا الاتجاه سوف يضرب قوة الناس الشرائية. دراسة حديثة شملت 40 دولة توقعت ماهية آثار تراجع التجارة عبر الحدود: تصرف الطبقة الغنية من الزبائن معظم دخلهم المرتفع على خدمات غير تجارية، سوف يخسر هذا العُشر نسبة ليست بالقليلة و هي 24% من قدرتها الشرائية. الطبقة الفقيرة من الزبائن على كل حال سوف تواجه خسارة 63% من قدرتها الشرائية.
مليار سبب للاحتفاظ بالاقتصاد العالمي المفتوح
هناك سبب أكبر يستحق الاحتفاظ بالعولمة من أجله: ساعد الاقتصاد العالمي المفتوح في رفع أكثر من مليار شخص من براثن الفقر المدقع. وجعلت الأسواق المفتوحة واتفاقيات التجارة الحرة من الممكن للدول أن تتحول نحو النمو الاقتصادي السريع عن طريق ربط عجلتها الاقتصادية بالاقتصاد العالمي، واستعمال الطلب العالمي لإخراج الناس والموارد من الأنشطة الاكتفائية (subsistence activities) نحو عمل أكثر إنتاجية. ولو أغلق الشركاء التجاريين الباب أمام المنافسة من قبل ألمانيا الغربية(في حينها)، الصين، كينيا أو فيتنام عندما أصابهم الذعر، لما حصلت معجزات التنمية والتقدم –الاتفاقيات التجارية تُبقي الأسواق مفتوحة– أو على الأقل هذا ما قامت به حتى الآن.
مع ذلك فالحقيقة هي أن المداخيل المالية لشرائح كبيرة من المجتمع في اقتصادات متقدمة كثيرة قد واجهت ركوداً، مثلما يوضح برانكو ميلالوفك و كرستوفر لاكنير في رسمهم البياني المشهور حالياً الذي يعرف بإسم “الفيل”.
graph-1
من السهل لوم التجارة الحرة، لكن الكثير مما حصل سببه التكنولوجيا. منذ أن صُنعت أولى آلات النسيج والتي أخرجت النساجون خارج العمل في أواخر القرن الثامن عشر، منذ ذلك الوقت قامت التكنولوجيا بزيادة الإنتاج لكن في نفس الوقت هددت وظائف البشر. في العقود الأخيرة، قضت المكننة على ملايين المعامل البسيطة والوظائف المكتبية في البلدان النامية. والان، من الممكن أن تستبدل الروبوتات المتزايدة التطور قطاعاً كاملاً من العمال، من سائقي الشاحنات إلى المحاميين.
في الوقت الحالي، خفضت السياسات الاقتصادية الداخلية الضرائب على الأغنياء في كثير من الدول، أهملت موازنة سوق العمل، وأضعفت نشاط النقابات العمالية، مما أدى الى تفاقم الشعور بعدم المساواة وانعدام الأمان المالي.
لكن بالتأكيد كانت التجارة عاملاً مؤثراً في ما جرى. عمل المصانع الذي رفع الملايين من براثن الفقر في أماكن مثل الصين وفيتنام قد كلف بعض العمال في كارولاينا الشمالية (أمريكا) و والونيا (بلجيكا) وظائفهم. مبدأ وضع مصانع الشركات في دول أخرى للاستفادة من انخفاض تكلفة العمالة (offshoring) قد أضعف بصورة مباشرة أو غير مباشرة قدرة العمال على مساومة ومجابهة رأس المال.
الحقيقة هي أنه خلال ذروة التفاؤل بالعولمة (ما بعد 1989)، لم تفكر النخب السياسية والتجارية كفاية باحتمالية – والتي توقعها علماء الاقتصاد بوضوح – أن التجارة سوف تؤذي بعض الناس حتى لو انتهت بمجتمع أفضل ككل. والنتيجة كانت المبالغة بالوعود بشأن الفوائد المتوقعة و خطط تعديل مسار لاحقة غير ملائمة. والان، وخصوصا في المجتمعات التي خلفتها التجارة والتكنولوجيا، خلق الخوف مما قد يحصل في المستقبل تربة خصبة لنمو الديماغوجية الشعبوية (populist demagoguery) (استراتيجية خطابية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة).
ثلاث خطوات لجعل التجارة أكثر شمولية
الجانب المشرق للموضوع هو ان الشمولية حالياً تتصدر جدول اعمال التجارة. جعل التجارة أكثر شمولية يتطلب العمل على ثلاث جبهات سياسية: قوانين التجارة، الحماية الاجتماعية الداخلية، والتعاون الدولي لتطبيقها.
1. مناقشة اتفاقيات تجارية تفيد الجميع
يجب أن تركز الحكومات نفوذها السياسي على قضايا المفاوضات التجارية التي توفر فوائد للجميع. تحسين القوة الشرائية هو الحل. قضية أخرى تقع في زيادة المشاركة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم، والتي تمثل الغالبية العظمى للشركات و الوظائف في أي اقتصاد. تقليل الكلف الثابتة و المتعلقة بالتجارة –من إجراءات الحدود المعقدة الى الأعباء التنظيمية الناشئة من التقييس والسيطرة النوعية للمنتجات والتدابير الأخرى غير الجمركية –من شأنه أن يؤدي الى مكاسب أكبر لصالح الشركات الصغيرة. اذا تم تطبيقها بالشكل الصحيح، سوف لن تقلل من نوعية المنتج أو حماية سلامة وصحة المستهلك. كل الدول، ليس فقط الدول النامية، ربما بحاجة إلى أن تستثمر بشكل أكبر في جانب التسويق لمساعدة الأعمال الصغيرة على الاتصال بالأسواق العالمية.
2. سياسة اجتماعية داخلية لحماية الذين تم استبدالهم بالاستيراد والآلات
لمعالجة الاضطرابات والآثار المتزايدة للتجارة والتكنولوجيا، يتعين على الحكومات أن ترد في جميع المجالات باستثمارات في العواصم البشرية، التعليم، المهارات، و التدريب المهني لتأهيل الناس بشكل أفضل لفرص العمل المتوفرة. سوف تحتاج سياسات سوق العمل الفعال الى أن يتم ربطها بتدابير لتخفيف الزيادة الحاصلة في نسبة البطالة، ابتداءاً بزيادة الحد الأدنى للأجور والحوافز وصولاً الى تحديد الحد الأدني للدخل عالمياً. سياسة إعادة التوزيع والدعم الاجتماعي ليست قضية مهمة للاقتصادات المتقدمة فقط. مثلما يوضح مارتن رافالين، بالنسبة لكل التقدم الحاصل في تخفيض الفقر الشديد، فإن أكبر مكاسب الدخل في الدول النامية قد ذهبت للأغنياء. ما لم تتصرف الحكومات بشكل فعال لتوسيع الفرص للجميع، فقد يواجهون رد فعل عنيف من قبل الجماهير المُحبطة.
graph-2
3. التعاون العالمي لدعم الهدفين الأول والثاني
لن يكون أي من هذين الهدفين رخيصاً. التعاون للحد من تهرب الشركات من دفع الضرائب يعتبر مثال لكيف يمكن للحكومات أن تعمل بصورة مفيدة مع بعضها البعض على المستوى العالمي لرفع الدخل الحكومي الذي تحتاجه لإبقاء المواطنين على متن العولمة. يجب أن تدعم الشركات العالمية ذات الرؤية طويلة الأمد هذا الهدف. الأهم في كل هذا سوف يكون الصدق السياسي. على الرغم من أن إنعاش النمو سوف يفعل الكثير لتهدئة القلق الاقتصادي، بيان أهمية السوق المفتوح للناس يتطلب من الحكومة وقادة الأعمال أن يكونوا صريحين مع الناس. التجارة، مثل التكنولوجيا، جيدة للكثير منا، لكن ليست للجميع. المزيد من الانفتاح السوقي يجب أن يأتي مع المزيد من سياسات إعادة التوزيع. وان كان هنالك أي شخص يعتقد انه لا يتوجب عليه دفع الضرائب– فعليه التفكير في ثمن ردة الفعل العنيفة للفقراء.
المصدر: هنا

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

كيف ربحت أنجيلا ميركل مقامرتها في استقبال اللاجئين

بقلم: فيلب اولترمان لموقع: ذا كارديان بتاريخ:30/آب/2020 ترجمة :رهام بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم …

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …