الرئيسية / بايولوجي / هل يمكن مشاهدة إنفصال الأنواع عن بعضها عند التطور؟

هل يمكن مشاهدة إنفصال الأنواع عن بعضها عند التطور؟

إن أصغر الإختلافات يمكن أن تقود إلى تنوعٍ هائلٍ في الكلاب لكن رغم اختلافاتها فإن جميع فصائل الكلاب ما زالت نفس النوع مع بعضها و مع أجدادها.

كيف تنفصل الأنواع؟ ما الذي يؤدي إلى ظهور أنواعٍ جديدة؟ و ما هو الدليل الذي نمتلكه عن أن هنالك إنفصالاً للأنواع قد حدث يوماً؟ يلجأ معارضو التطور إلى القول السائد بأننا لم نشاهد نوعاً ينفصل إلى نوعين.

من الواضح أن هذه الحجة هي مغالطة رجل قش؛ لأن معظم انفصال الأنواع يستغرق وقتاً أطول بكثير من مدة حياتنا، و كذلك فإنها حجة خاطئة؛ إذ أننا نرى أنواعاً تتشعب كل يوم.

على سبيل المثال كان هنالك نوعان جديدان من نباتات لحية التيس (جنس tragopogon) ظهرا إلى الوجود في القرن الماضي.

في أوائل القرن العشرين، تم جلب ثلاثة أنواع من هذه الأزهار البرية من أوروبا إلى أمريكا (هي لحية التيس الغربية T. Dubius و لحية تيس الأحراش T. Pratensis و زهرة المحار T. Porrifolius). و مع توسع أعدادها، بدأت أنواعها بالتداخل في ما بينها منتجةً هجائن عقيمةً أحياناً.

لكن مع خمسينيات القرن الماضي، لاحظ العلماء شكلين من لحية التيس ينموان. كان شكلهما مشابهاً لتلك الهجائن، إلا أنهما لم يكونا عقيمين. كانت نباتات هذه النوعين قادرةً بشكلٍ كاملٍ على التكاثر مع نوعها و عاجزةً عن التكاثر مع أي من الأنواع الثلاثة الأصلية (مستوفيةً التعريف الكلاسيكي للنوع). كيف حدث هذا؟ تبين أن النباتات الأم ارتكبت أخطاءً عند تكوين أمشاجها (مرادفات للنطف و البويضات).

بدل تكوين أمشاجٍ بنسخةٍ واحدةٍ من كل كروموسوم، كوَّنت أمشاجاً بنسختين أو أكثر (تسمى هذه الحالة تعدد المجموعة الكروموسومية). يتحد مشيجان متعددا المجموعة الكروموسومية من نوعين مختلفين، يحمل كل منهما ضعف المعلومات الوراثية التي يفترض به أن يحملها، مكوناً كائناً رباعي المجموعة الكروموسومية.

بسبب الإختلاف في عدد الكروموسومات، لم يستطِع الكائن الناشئ أن يتزاوج مع النوعين الذين نشأ منهما، لكن هذا لم يمنعه من التكاثر مع كائناتٍ نشأت من صدف مشابهة. هذه العملية المعروفة بإسم تهجين الأنواع، تم تسجيل حدوثها في نباتاتٍ مختلفة. لكن النباتات ليست الكائنات الوحيدة التي يتم تكوين أنواعٍ فيها عن طريق التهجين، فالفراشات طويلة الجناح (جنس heliconius) انفصلت أنواعها بطريقةٍ مشابهة.

لا يتطلب الأمر عدداً كبيراً من الطفرات المتراكمة عبر الأجيال لخلق نوعٍ جديد، كل ما يتطلبه الأمر في بعض الأحيان هو حدث يعزل مجموعةً من الأفراد تكاثرياً عن المجموعة الأخرى. هذا يمكن أن يحدث بشكلٍ سريعٍ جداً في حالاتٍ مثل تعدد المجموعة الكروموسومية حيث يمكن لطفرةٍ واحدةٍ أن تكون كافية. أو قد يحدث ذلك بشكلٍ أبطأ بكثير، و هذا الإنفصال بين الأنواع هو الذي يُعرَف به التطور (التغيرات التدريجية عبر الزمن التي تفصل بين الأنواع). لكن كوننا لا نستطيع رؤية كل حالات انفصال الأنواع من البداية إلى النهاية، لا يعني أننا لا نستطيع رؤية الأنواع و هي تنفصل عن بعضها البعض.

إذا كانت نظرية التطور صحيحة، فمن المتوقع أن نجد أنواعاً من الكائنات في أدوارٍ مختلفةٍ من الإنفصال حول العالم، حيث يكون هنالك أنواع بدأت تواً بالإنفصال مظهرةً العزل التكاثري، و كائناتٍ ما زالت تبدو كنوعٍ واحد و لكنها لم تتكاثر في ما بينها منذ آلاف السنين. و في الحقيقة، هذا بالضبط هو ما نجده.

ذبابة يرقة التفاح Rhagoletis Pomonella هي مثال رائع على نوعٍ بدأ تواً بالتشعّب. الموطن الأصلي لهذا النوع من الذباب هو الولايات المتحدة، و حتى اكتشاف الولايات المتحدة من قبل الأوروبيين، كان يتغذى فقط على نبات الزعرور. لكن مع وصول أناسٍ جدد، جاء مصدر غذاءٍ جديدٍ إلى موطنها : التفاح. في البدء، تجاهل الذباب هذه الهدية اللذيذة. لكن مع الوقت، أدرك الذباب أن بإمكانه أن يأكل التفاح أيضاً؛ فبدأ بتغيير الأشجار التي يتغذى منها. هذا وحده لا يفسر سبب إنفصال أنواع الذباب، لكن ميزةً بايولوجيةً غريبةً لهذا الذباب تفسر السبب : ذباب يرقة التفاح يتزاوج على الأشجار التي يولد عليها.

عندما غيرت بعض الذبابات أشجارها، انفصلت عن باقي نوعها، رغم أنها كانت على بعد بضعة أقدام من بقية الأفراد. عندما ألقى علماء الوراثة عليها نظرةً أقرب في نهاية القرن العشرين، وجدوا أن النوعين (النوع الذي يتغذى على التفاح و النوع الذي يتغذى على الزعرور) يمتلكان تسلسلاتٍ أليليةً مختلفة. في الحقيقة، إن Rhagoletis Pomonella قد بدأت رحلتها الطويلة نحو إنفصال الأنواع أمام أعيننا مباشرةً. كما هو متوقع، فإن الحيوانات الأخرى متقدمة أكثر بكثير في هذه العملية، رغم أننا لا ندرك ذلك حتى ننظر إلى جيناتها.

حيتان الأوركا Orcinus Orca (المعروفة بإسم الحيتان القاتلة)، تبدو جميعها متشابهةً إلى حدٍ كبير؛ كلها تبدو كدلافين كبيرةٍ ببقعٍ بيضاء و سوداء تقوم بالصيد كمجموعة و تؤدي خدعاً متقنةً في عالم البحر. لعدة عقودٍ ظن علماء الثدييات البحرية أن القصة أكبر من ذلك. الدراسات السلوكية كشفت أن مجموعاتٍ مختلفةً من حيتان الأوركا تمتلك صفاتٍ سلوكيةً مختلفة؛ فهي تتغذى على حيواناتٍ مختلفة، تتصرف بشكلٍ مختلف، و حتى أنها تتكلم بشكلٍ مختلف.

لكن من دون طريقةٍ لاتِّباع الحيتان تحت الماء لرؤية مع من تتزاوج، لم يكن العلماء قادرين على التأكد مما إذا كانت ثقافات الحيتان المختلفة مجرد صفاتٍ انتقلت عبر الأجيال أو إشارةً إلى شيءٍ أكبر بكثير. أما الآن فقد قام علماء الوراثة بما لم يستطِعْ علماء السلوك فعله. شاهد علماء الوراثة كيفية تكاثر الحيتان. عندما فحصوا الجينوم الكامل للمايتوكوندريا من مئةٍ و تسعةٍ و ثلاثين حوتاً حول العالم، وجدوا اختلافاتٍ جذرية.

هذه البيانات تقترح أن هنالك على الأقل ثلاثة أنواعٍ مختلفةٍ من الحيتان القاتلة. أظهر تحليل السلالات التطوري أن الأنواع المختلفة من الأوركا كانت منفصلةً منذ مئةٍ و خمسين ألفاً إلى سبعمئة ألف سنة. لماذا انفصلتْ حيتان الأوركا؟ الحقيقة هي أننا لا نعرف. ربما كان هذا نتيجةً جانبيةً لتحويراتٍ بسبب مصادر مختلفةٍ للفرائس، أو ربما كان هنالك نوعٌ من الحواجز الفيزيائية بين التجمعات و اختفتْ بعد ذلك الحين. كل ما نعرفه هو أنه حينما كنا مشغولين بالرسم على جدران الكهوف، شيءٌ ما سبَّب انفصال مجموعات الأوركا مُكوِّناً أنواعاً متعددة. هنالك أسباب متعددةٌ تجعل الأنواع تتشعب.

الأسهل و الأوضح هو وجود نوعٍ من الحواجز الفيزيائية (ظاهرةٌ تدعى إنفصال الأنواع العزلي). إذا نظرنا إلى أنواع الأسماك الموجودة في خليج المكسيك و على ساحل كاليفورنيا، نجد أن هنالك الكثير من نقاط التشابه بينها. في الحقيقة، بعض الأنواع تبدو متطابقةً تقريباً. نظر العلماء إلى جيناتها و جينات أنواعٍ أخرى على الجانب الآخر من الجسر البري الضيق، فوجدوا ترابطاً بين النوعين أقرب من الترابط بين أحد النوعين و أنواع أخرى من الأسماك حتى لو كانت في نفس منطقتها.

ما جرى هو أنه منذ وقتٍ طويل، كانت قارات أميركا الشمالية و أميركا الجنوبية منفصلتين و كانت المحيطات متصلةً ببعضها. عندما اندمجت الكتلتان البريتان العملاقتان، تم عزل تجمعاتٍ من أنواع الأسماك على كلا الجانبين. بمرور الوقت تشعّبت هذه الأسماك بما يكفي لتصبح أنواعاً منفصلة.

يمكن أن تنفصل الأنواع دون حواجز واضحةٍ أيضاً. عندما تتشعب الأنواع مثل ذبابة يرقة الفاكهة دون حاجزٍ فيزيائيٍّ كامل، ذلك يدعى إنفصال الأنواع المتواطن. إنفصال الأنواع المتواطن يمكن أن يحدث لأي سبب، كل ما يتطلبه الأمر هو شيء يجعل مجموعةً تتكاثر أقل مع مجموعةٍ أخرى.

بالنسبة لأحد أنواع الطائر الملكي صائد الذباب Monarcha Castaneiventris، كان كل شيءٍ مختصاً بالمظهر الخارجي. تعيش آكلات الحشرات الصغيرة هذه في جزر السولومون، شرق بابوا غينيا الجديدة. في نقطةٍ ما، طوّرتْ مجموعةٌ صغيرةٌ منهم طفرةً في حامضٍ أمينيٍّ واحد في جين له علاقة ببروتين الميلانين الذي يتحكم بنمط لون الطائر.

بعض صائدات الذباب سوداء بالكامل، و بعضها تمتلك بطوناً بلون الكستناء. رغم أن المجموعتين قادرتان على بشكلٍ كاملٍ على إنتاج ذريةٍ صالحةٍ للحياة، فإن المجموعتين لا تختلطان في البرية. وجد الباحثون أن الطيور من إحدى المجموعتين تنظر إلى طيور المجموعة الأخرى كنوعٍ آخر مختلف. ذكور هذا النوع تُعتبر إستحواذيةً بشكلٍ صارمٍ في ما يخص مناطق ملكيتها. مع ذلك، فإنها لا تبدي أي ردة فعلٍ عندما يدخل ذكر مختلف اللون إلى مناطق سيطرتها.

مثل ذباب يرقة التفاح، لم تعد مجموعات صائد الذباب تتكاثر فيما بينها، متخذةً بذلك أولى الخطوات نحو الإنفصال إلى نوعين مختلفين. قد تبدو هذه تغييراتٍ صغيرة، لكن كما تعلّمنا مع الكلاب، فإن التغييرات الصغيرة يمكن أن تتجمع. و المجموعات المختلفة سوف تُراكم المزيد من الإختلافات بسبب عدم التكاثر في ما بينها، و ستبدو أقل شبهاً ببعضها تدريجياً. ستبدو الحيوانات الناتجة مثل الأنواع التي نراها اليوم بوضوح.

ربما سيتكيّف بعضها على نمط حياةٍ مختلفٍ كلياً عن النوع الشقيق لها. فمثلاً حيتان الأوركا قد تتشعّب جذرياً بشكلٍ جذريٍّ عندما تسمح لها التغييرات الصغيرة أن تكون أكثر ملاءمةً لأنواع فرائسها الفريدة. بينما بعض الأنواع قد تظل متشابهةً بشكلٍ كبير، لدرجة يصعب عندها التمييز بينها، مثل أنواع السناجب المختلفة الموجودة حالياً. الفكرة هي أن جميع أنواع الكائنات الحية، من أصغر الحشرات إلى أكبر الثدييات ما زالت تخضع لانفصال الأنواع حالياً.

لقد رأينا الأنواع تنفصل و ما زلنا نراها تتشعب. إنفصال الأنواع يحدث حولنا. التطور لم يحدث فقط في الماضي؛ إذ ما زال يحدث، و سيستمر طويلاً بعد أن نتوقف عن البحث عنه.

المصادر :

 

1- Soltis, D., & Soltis, P. (1989). Allopolyploid Speciation in Tragopogon: Insights from Chloroplast DNA American Journal of Botany, 76 (8) DOI: 10.2307/2444824

2- McPheron, B., Smith, D., & Berlocher, S. (1988). Genetic differences between host races of Rhagoletis pomonella Nature, 336 (6194), 64-66 DOI: 10.1038/336064a0

3- Uy, J., Moyle, R., Filardi, C., & Cheviron, Z. (2009). Difference in Plumage Color Used in Species Recognition between Incipient Species Is Linked to a Single Amino Acid Substitution in the Melanocortin?1 Receptor The American Naturalist, 174 (2), 244-254 DOI: 10.1086/600084

4- Phillip A Morin1, Frederick I Archer, Andrew D Foote, Julie Vilstrup, Eric E Allen, Paul Wade, John Durban, Kim Parsons, Robert Pitman, Lewyn Li, Pascal Bouffard, Sandra C Abel Nielsen, Morten Rasmussen, Eske Willerslev, M. Thomas P Gilbert, & Timothy Harkins (2010). Complete mitochondrial genome phylogeographic analysis of killer whales (Orcinus orca) indicates multiple species Genome Research

عن Ameer Laith

طالب في كلية الطب و متطوع في مجال الترجمة

شاهد أيضاً

“حمضٌ من بين ملايين الأحماض”: حمض الـ DNA ليس الجزيء الجيني الوحيد

تقديم: مات دافيس بتاريخ: 21. نوفمبر. 2019 لموقع: BIGTHINK.COM ترجمة: هندية عبد الله تصميم الصورة: …

“محرك الوعي” في الدماغ هي منطقة بالغة الصغر

بقلم: ستيفن جونسن بتاريخ: 12/شباط/2020 ترجمة: رهام عيروض بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: …