الرئيسية / أجتماع / بغداد: حصيلة الثقل النفسي لأكثر مدينة هوجمت في العالم

بغداد: حصيلة الثقل النفسي لأكثر مدينة هوجمت في العالم

لأكثر من ألف سنة، و سكان العاصمة العراقية يتعرضون للسلب، التعذيب، والذبح العشوائي. لاتوجد مدينة على وجه الأرض تعرضت الى الهجوم بقدر المرات أو بالوحشية التي تعرضت إليها بغداد.

مرة أخرى، سكان العاصمة العراقية يستعدون لغزو آخر محتمل من قبل القوى الجهادية للدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام والذين يبعدون أقل من 50 ميل الى الشمال من بغداد عند وقت كتابة هذا المقال.
بالنسبة للقوة التي من المفترض أن يبلغ عددها عدة آلاف فقط، مكاسب داعش في العراق فاجئت العالم، أدارت الثوابت القديمة على رؤوسها ودفعت الولايات المتحدة وإيران على التفكير بما لا يمكن تصوره، وهو التعاون على قضية العراق. لكن بالنسبة للمدينة التي هي التالية على قائمة الأستهداف لداعش، التي كانت في وقت مضى العاصمة الجليلة للأمبراطورية الاسلامية، فأن مشهد الجيش الأجنبي على الابواب هو مألوف جداً.
على مر القرون الـ13 الماضية، تعرض سكان بغداد للسلب، التعذيب، والذبح العشوائي، مع عواقب وخيمة: على البنية التحتية المادية للمدينة، على المعتقدات الدينية، وفوق كل هذا، ربما، على عقول البغداديين الذين عانوا طويلاً. عند التحدث مع أصدقاء عراقيين في بغداد خلال الأيام القليلة الماضية, ليس من المستغرب أن نسمع عمق مخاوفهم من سيطرة داعش- أنهم يعرفون ماذا يحدث عندما يقتحم الغزاة مدينتهم. “نحن نصلي بأننا سنتجاوز هذا الخطر”، قال لي صديق. “هذا هو ما نقوم به منذ 2003.” عندما يتلاشى الجيش الوطني المكلف بحمايتك، فهناك القليل المتبقي بجانب الأيمان.

لقد كانت السنوات الـ11 الماضية قاسية بشكل خاص بالنسبة للبغداديين. فالصوت الثاقب لتفجير أنتحاري أصبح طبيعياً تقريباً مثل سماع أصوات العصافير في لندن. الصراع الطائفي مزق عوائل وأحياء بأكملها بعيداً عن بعضها البعض. و فرق الموت قد جابت أنحاء المدينة، تقبض على الرجال، تعذبهم بالحرق بالسجائر، بثقب أطرافهم بالمثقاب الكهربائي، باقتلاع الأعين وألقاء الجثث في نهر دجلة. ظواهر تعكس صورة مطابقة للمنهج المتبع من قبل القاعدة في العراق (السابقة لداعش) في السنوات التي تلت 2004.

قطبية المدينة وصلت الى آفاق جديدة. حيث تغيرت ديموغرافية المدينة كثيراً وفقاً للأنتمائات الطائفية. البغداديون الاوفر حظاً تبعثروا في المنفى الى: الأردن، سوريا، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، أي مكان للهروب من الفوضى. الذين بقوا، يتحدثون عن كوابيس متكررة، مشاريع زواج متأخرة، وحياة تم تأجيلها. البقاء على قيد الحياة هو في يد الله.

ولكن عقلية الحصار التي أصابت البغداديين كثيراً خلال القرون الماضية لا تنشأ فقط من الصراع التقليدي. حتى فترات الأمن والاستقرار الظاهر، مثل الـ24 سنة تحت عهد صدام حسين، كانت نوعاً من الحصار. فالعيش في عراق صدام أحدث نوعاً مضطرباً من الشخصية المنقسمة على الصعيد الوطني. ضباط الجيش، العلماء، المعلمون، الصحفيون – كل شخص في المجتمع العراقي خارج النخبة الصغيرة للنظام- قاد حياة مزدوجة.

وصف الأصدقاء العراقيون كيف شعروا و هم مجبرين على تجزئة وجودهم لمجرد البقاء على قيد الحياة. خارج البيت، الكل كان يدعم النظام ويتصرف كالمواطن النموذجي، سواء كنت عضواً في حزب البعث أم لا. داخلياً وفي المنزل (مع أكبر قدر من الحيطة لأنك لا تعرف من قد يكون يستمع لك)، كانت المعارضة. لم يكن مستغرباً أن التفكك العقلي كان مرافقاً لهذه المرحلة.

عندما زار الكاتب الكندي بول روبرتس بغداد في تسعينيات القرن الماضي، كتب بشكل مدرك عن “المذبحة الداخلية والرعب” التي طغت على الإهمال الجسدي الأكثر وضوحاً تحت عقوبات الأمم المتحدة. “لقد تم العبث بعقول سكانها بطريقة متناهية القسوة، ربما لا يمكن أصلاحها” كتب روبرتس. “على مدى 20 عاماً، ما حدث ويحدث في العراق يعادل محرقة نفسية.”

اذا كان هذا يبدو مبالغاً فيه، فقط تأمل سيناريو بظهور مفاجئ لسيارة متوقفة خارج المنزل، طرق على الباب، مكالمة هاتفية، استدعاء من مسؤول غير معروف، حتى نظرة بريئة يمكن أن تكون كافية لتغيير وغالباً تدمير الحياة الى الأبد. هكذا كان نظام صدام، مثل العديد من الحكومات الشيوعية التي تملك شبكات مظلمة من وكالات الاستخبارات والشرطة السرية، تتغلغل أحياء بغداد: من خلال تناضح الخوف. لم يأمن أحد الخطر والجميع كان يعرف ذلك. وإذا سيطر أسلاميو داعش على بغداد، فنفس الأرهاب قد يعود.

بغداد أسسها الخليفة العباسي المنصور في 762 كعاصمة للأمبرواطورية الأسلامية، بحلول 811 م، كانت بغداد بالفعل تمزق نفسها الى أجزاء، حيث اثنان من أحفاد الخليفة، هادي وأمين، تقاتلا من أجل الخلافة. كانت بغداد الضحية الكبرى، حيث مساحات كاملة من المدينة دمرت. بكلمات تنبوئية بشكل مخيف عن العراق اليوم، الشاعر الخريمي يصف الفوضى:
“و النفط والنار في طرائقها – وهابياً للدخان عامرها
و النهب تعدو به الرجال و قد – أبدت خلاخيلها حرائرها”

بغداد أصبحت “فارغة مثل بطن حمار وحشي” مهجورة، جحيم يشيط ناراً حيث الأرامل تصرخ في الشوارع ملاحقةً بكلابً تأكل الجثث مقطوعة الرأس. جثث الرجال، النساء، والاطفال الغرقى تمايلت في مياه دجلة كما فعلت عدة مرات خلال العقد الماضي.

قرون من الغزوات من قبل كلا الجيوش العثمانية والفارسية ساعدت على تقوية التقسيمات الطائفية، بإضفاء الكثير على كلا الجانبين من الآراء الراسخة عن “الآخر”. بالنسبة للمتطرفين على الجانبين السني والشيعي، هذا العداء المبالغ فيه قد أصبح جزءاً مشتركاً في نفسية العراقي.

الصمود أمام عواصف الغزوات المتعاقبة على مر القرون ساهم في تكوين جانب آخر من شخصية بغداد لا يمكن إنكاره: المرونة، والشحذ تحت النار المدقعة.

أظلم ساعة في بغداد كانت في 1258 م عندما هولاكو، حفيد أمير الحرب المغولي جنكيز خان، أنقض على المدينة العباسية العظيمة، عاصمة الفكر والثقافة في العالم.

في رسالة الى المعتصم، الذي أثبت بأنه الخليفة الأخير لهذه السلالة الممتدة لـ 500 عاماً، نص هولاكو تهديده بشكل لا لبس فيه: “أنا لن أترك شخصاً واحداً على قيد الحياة في بلدك، سوف أحول مدينتك، أراضيك، وامبراطوريتك الى نيران” هو لم يخلف بوعده. فبالفعل، بغداد هُدمت الى الأرض، التهمت النيران جوامعها الكبيرة، مدارسها، كليات القانون، أسواقها، ومكتباتها. أدعى هولاكو بأنه قتل 200,000 في المذبحة. المؤرخ الفارسي رشيد الدين قال بأن الرقم الصحيح كان 800,000.

إضافةً الى ذلك، غزو عام 1401 م من قبل التتاري المحتل تيمورلانك، الذي نصب نفسه ذراع سيف الاسلام، كان أسوأ من غزو هولاكو. بعد أن وضع بغداد تحت السيف، أمر كل جندي بأن يحضر له رأسين، والتي كدست الى 120 برجاً تحتوي على 90,000 جمجمة.

اذا كانت العقول قد دمرت، فكذلك أرقى معالم المدينة قد دمرت. كمركز للعالم الاسلامي و بسبب تعاقب الخلافات، معالم بغداد الدينية كانت عرضة لتفشي الفتنة الطائفية. عندما أستولى الشاه أسماعيل الأول على بغداد في عام 1508 م، قام بتسوية بعض القبور والأضرحة، وقام بأعدام بعض الشخصيات الرائدة في المدينة.

في أكثر الأحيان، تسبب الغزاة “المحررين” لبغداد بدمار لا يوصف. واحدة من أكثر الغزوات الغير مؤلمة للمدينة جاءت في 1534 م عندما تولى السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد. ربما شعر السكان بالرعب من منظر جيشه المخيم حول الجدران، ولكن عند الاستيلاء على المدينة، كان هذا القائد المستنير الغير عادي قد عمل بجهد لأرضاء كلا من السنة والشيعة على حدً سواء، بترميم المباني الدينية المتضررة لكلا المجتمعين. وهو ما فشل به رئيس الوزراء العراقي الحالي، التواصل مع السنة والاكراد، مما ساعد على أنزلاق العراق الى هذه الهاوية الحالية.

من الصعوبة أن لا يلام الغرب عندما يتعلق الأمر بغزو بغداد. في غضون عدة سنوات من سيطرة الجنرال البريطاني مود على بغداد في عام 1917 م، كان العراق على اللهيب: كانت الثورة العراقية واحدة من فصول الصيف الأكثر دموية منذ سنوات. كتب ثوماس أدوارد لورنس في وقت لاحق في صحيفة الصنداي تايمز: “لقد تم قيادة شعب إنجلترا في بلاد ما بين النهرين الى فخ، حيث سيكون من الصعوبة الهروب منه بكرامة وشرف … الى متى سوف نسمح لملايين من الجنيهات، الآلاف من قوات الإمبراطورية وعشرات الآلاف من العرب أن يتم التضحية بهم نيابة عن شكل من أشكال الإدراة الاستعمارية التي فقط تنفع الذين يديرونها؟” بحلول نهاية الثورة، قتل 6,000 عراقياً و 500 جندياً بريطانياً وهندياً.

خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، كانت بغداد مدينة خالية من الروح، تعج بالأقارب الحزانى لقتلى الحرب. و ثم أهوال التسعينات، عندما صدام و العقوبات أسقطوا بغداد على ركبتيها. في بلد محروم من المواد الغذائية الأساسية والأمدادات الطبية، العديد من البغداديين الذين يعانون من مشاكل نفسية وجدوا أنفسهم عند قاع الركام: في مصحة بغداد، 15 مريضاً كانوا يموتون شهرياً، ضحايا السل، الإسهال، والزحار الأميبي. ثم كما هو الحال الأن، تخزين الحصص وتعليق الآمال على الله كانت نظام اليوم.

غزو عام 2003، مثل عام 1917، كان من المفترض أن يقود الى مستقبل أكثر إشراقاً. بدلاً من ذلك، لقد قاد الى أهوال 2014، بمساعدة الانقسام المروع بين أعضاء الحكومة.

المدوّن البغدادي سلام باكس كتب في مايو 2003: “أولاً دعني أقول لكم شيئاً واحداً، الحرب قبيحة بشكل كبير. لا تدع أحداً يكلمك من أجل أن يشن حرب بأسم حريتك. بأي طريقة كانت، عندما تبدأ القنابل بالسقوط أو عندما تسمع أصوات الرشاشات في نهاية شارعك، فاعلم أنك ستنسى حتى فكرة تحررك.

البغداديون سوف يتأهبون لادعاءات داعش المنمقة بفرض الحكم الإسلامي. و مرة أخرى، يواجه هؤلاء صيفاً طويلاً وعنيفاً. بالنسبة للكثيرين، الحصيلة هي عصيبة جداً بحيث أنهم يبحثون فقط عن مخرج: “كل الذي أستطيع التفكير به هو كيفية الخروج من هنا” يقول محمد، وهو صديق قديم يائس من أجل الحصول على تأشيرة أوروبية. “حياتنا في بغداد أنتهت.”

المصدر: هنا

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

القضاء على الفقر المدقع في شرق اسيا ومنطقة المحيط الهادي 

ترجمة: سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   في …

عملية هدم الحضارة

ادريان ولدرج يرثي انهيار منظومة العادات والاعراف    بقلم : ادريان ولدرج ترجمة: سهاد حسن …