الرئيسية / أجتماع / لماذا تختفي المشاعر في العلاقات؟

لماذا تختفي المشاعر في العلاقات؟

——————
ترجمة: جمال قَسّيس
مراجعة: علي أدهم
——————

في القصص الخيالية تستمر السعادة بعد الزواج وبشكل دائم، أما العلم فيخبرنا أن حالة النعيم تلك موجودة، ولكن لها صلاحية محدودة.

في عام 2003، تتبع باحثون أمريكيون وأوروبيون 1761 شخصاً كان قد مضى على زواجهم أكثرمن 15 عاماً، وقد كانت نتائج الأبحاث التي سُجلت واضحة، فالمتزوجون حديثاً يتمتعون بسعادة كبيرة تستمر في المتوسط إلى عامين فقط، ثم ما تلبث المتعة أن تتوقف ويعود الأشخاص إلى حيث بدأوا، على الأقل بالنسبة للسعادة.

أما الخبر السار، فهو أنه إذا كان الأزواج قد تجاوزوا مرحلة الركود ما بعد العامين، لبضعة عقود، قد يعادوا الشعور بالإثارة التي اختبروها في فترة شهر العسل، وذلك غالباً ما يكون بعد 18 إلى 20 عاماً، عندما يغادر أطفالهم المنزل، ومن خلال ما يسمى «العش الفارغ»، يقوم الشركاء بإعادة اكتشاف بعضهم البعض، وغالباً ما يعاودهم الشعور بالسعادة الغابرة مرة أخرى.

عندما يكون الحب حديثاً، تصبح لدينا قدرة نادرة على الشعور بسعادة كبيرة حتى وإن كنّا عالقين في زحمة السير أو عند الحصول على تنظيف للأسنان، فنحن في خضم ما يسميه الباحثون «الحب العاطفي»، وهو حالة من التوق الشديد والرغبة والانجذاب، لكن مع مرور الوقت، فإن هذا الحب يأخذ شكلاً آخر، فيصبح أقل حماسةٍ ومودة، ويقل الترابط، والسبب هو أن البشر، كما أظهرت أكثر من 100 دراسة، عُرضة للاعتياد على المتعة والقدرات الفطرية القابلة للقياس التي تمكن الشخص من أن يصبح معتاداً على معظم تغييرات الحياة، الإيجابية منها أو السلبية.

مع كامل الاحترام للشعراء وكُتّاب الأغاني الشعبية، فإن الحب الجديد يبدو عرضة للاعتياد على المتعة، كالمنزل جديد، أو المعطف الجديد، أو أي مصادر جديدة من المتعة والرفاهية، على الرغم من أن المتعة الحاصلة عن شراء المواد تتلاشى عموماً بشكلٍ أسرع.

يَظهر التكيف مع الأمور الممتعة عندما نعتاد التجارب الإيجابية. قد يكون أمراً مزعجاً، ولكنه حقيقي، فنحن نميل نفسياً وفسيولوجياً لأخذ التجارب الإيجابية كأمرٍ مفروغٍ منه، فننتقل إلى مسكن جميل، نتزوج من شريك رائع، نترقى إلى مناصب أعلى في عملنا. كم هي رائعة تلك الأمور! لكن لبعض الوقت. ثم كما لو كنا مدفوعين بقوة تلقائية، فإن توقعاتنا تتغير وتتعدد، أو تتوسع، وحالما تبدأ بذلك نقوم باعتبار الظروف الجديدة على أنها أمرٌ مفروغٌ منه.

تُعد الرغبة الجنسية والإثارة عرضة بشكل خاص لتكيف المتعة. فالبحوث المختبرية في أماكن مثل «ملبورن» في أستراليا، و«ستوني بروك» في نيويورك، تملك قناعة مفادها أن الإثارة عند كل من الرجال والنساء تأخذ بالانخفاض بعد أن ينظرا إلى نفس الصور المثيرة مراراً وتكراراً، أو يعتادا على التخيلات الجنسية المتشابهة، فالألفة قد تسفر عن الازدراء، ولكن تشير الأبحاث أنها لا تُسفر عن اللامبالاة، أو كما قال (رايموند تشاندلر): «إن القبلة الأولى قبلة سحرية، والثانية قبلة حميمية، أما الثالثة فهي مجرد عمل روتيني».

هناك أسبابٌ تطورية وفسيولوجية وعملية تفسر لنا عدم قدرة الحب العاطفي على أن يدوم لفترة طويلة، فإذا كنا مهوسيين بشكل كبير بشريك الحياة واستمررنا بممارسة الجنس معه لعدة مرات في اليوم، كل يوم، فلن نكون على درجة من الإنتاجية خلال العمل، ولن ننتبه جيداً لأطفالنا أو لأصدقائنا أو لصحتنا. (على حد تعبير فيلم (Before Sunset) عام 2004، حول عاشقيْن سابقيْن كان لهما فرصة اللقاء مرة أخرى بعد عقد من الزمن: «إذا لم تخبو العاطفة، فنحن في نهاية المطاف لن نستطيع القيام بأي شيء على الإطلاق في حياتنا».

في الواقع، تحمل حالة الوقوع في الحب الكثير من القواسم المشتركة مع حالة الإدمان والنرجسية، فإذا كان جارفاً، فإنه سيخلف خسائر في نهاية المطاف.

لماذا إذن يؤدي التحول الطبيعي من الحب العاطفي إلى حالة الرفقة، ثم إلى خيبة أمل في كثير من الأحيان؟
لأننا- على الرغم من أننا قد لا ندرك ذلك- نرتبط و بشدة من خلال حالتنا الطبيعية من أجل الحصول على أشياء متنوعة، فالتنوع والأشياء الجديدة تؤثر على الدماغ بنفس الطريقة التي تؤثر عليه المخدرات، أي أنها تؤدي إلى النشاط الذي يقوم بإفراز «الدوبامين»، كما تفعل بعض الأدوية عند مستويات عالية.

ويعتقد علماء الأحياء التطورية أن التنوع الجنسي قد خضع للتكيُّف، حيث تطورت هذه الآلية لمنع سفاح وزواج الأقارب في بيئات الأقدمين. والفكرة هي أن يتوقف الأخوة عن الزواج ببعضهم- عندما أصبحنا أُسَراً- فنكف عن أن ننجذب جنسياً لبعضنا البعض.

ولا يستلزم ذلك ملاحظة علمية، حيث أن الالتزام بعلاقة جنسية طويلة الأمد يتطلب الالتزام بزوجة واحدة يوماً بعد يوم، فلا أحد ممن يعتبر إنساناً- أو من الثدييات فيما يخص تلك المسألة- يمكنه الحفاظ على نفس المستوى من الرغبة والحماس الذي قد مر به عندما كان هذا الحب جديداً.

قد نحب شركائنا بعمق، أو نؤلهَهُم، أوحتى نكون على استعداد للموت لأجلهم، ولكن نادراً ما نترجم هذه المشاعر إلى عاطفة طويلة الأمد. وتشير الدراسات إلى أنه في العلاقات طويلة الأمد، تميل النساء إلى فقدان الاهتمام بالجنس بشكل أسرع من الرجال. لماذا؟ لأن فكرة المرأة عن الجنس العاطفي تعتمد بشكل أساسي على الأشياء الجديدة أكثر مما تعتمد عليه بالنسبة للرجال.

عندما يصل الأزواج إلى ما بعد مرحلة العامين، فإن التحول الطبيعي الذي يحصل من الحب العاطفي إلى الحب التشاركي يؤدي إلى عدم التوافق والتعاسة. بالنسبة للبعض يعد اختلاف الأمورهذا أكثر إثارة، وأكثر مدعاةٍ للرضا، أما بعض الأشخاص فيجدون صعوبة في مقاومة هذا التغيير، ويعد التنوع- حتى في العلاقة الراسخة والأكثر استقراراً- سياجاً جيداً ضد هذا الإغراء. «فالأطراف الرئيسية» ليست من الضرورة أن تنفذ أوامر الطبيب؟ فأبسط التغييرات في الروتين أو الخروج عن المألوف قد تلعب دوراً حيوياً في العلاقة.

في تجربة كلاسيكية قام بها (آرثر آرون) وزملاؤه، أعطى الباحثون لأزواج من الطبقة فوق المتوسطة- ضمن أعمار متوسطة- قائمة من الأنشطة التي اتفق فيها الأزواج على حد سواء فيما إذا كانت هذه التجربة (سارّة)- مثل الطبخ وزيارة الأصدقاء أو مشاهدة فيلم-، أو (مثيرة)- مثل التزلج والرقص، أو حضور الحفلات الموسيقية-، لاختيار تجارب كان من النادر أن يستمتع الأزواج بالقيام بها، وأعطى الباحثون تعليمات لكل زوجين لاختيار واحدة من هذه الأنشطة في كل أسبوع، وقضاء 90 دقيقة في ممارستها معاً. في نهاية الأسبوع العاشر، عبر الأزواج الذين شاركوا في أحداث (مثيرة) عن رضا في الزواج أكثر من أولئك الذين قاموا بالأنشطة (السارة) أو الممتعة حين قاموا بها سويةً.

على الرغم من أن حالة التنوع والمفاجآت قد تبدو متماثلة، إلا أنها في واقع الأمر، متمايزة تماماً، فمن السهل أن تختلف سلسلة الأحداث- كاختيار مطعم من أجل موعد مسائي أسبوعي- دون أن يكون هناك الكثير من المفاجأت. في البداية تكون العلاقات مدهشة بشكل كبير: هل يحب أن يعد الطعام؟ مالذي تحبه عائلته؟ ما الذي يحرجه أو يفرح به؟
فكلما أصبحنا على دراية واسعة بشركائنا، أصبحت مفاجأتهم لنا أقل.

إن المفاجأة لها قوة فعَالة، فعندما يحدث شيءٌ جديد، نميل إلى إيلاء ذلك اهتماماً، ونكون شاكرين لتلك التجربة أو الظروف، ونتذكر ذلك جيداً، فنحن نميل إلى تقدير زواجنا أكثر عندما تستمر العواطف القوية به.

كما أن بعض الأحداث غير المتوقعة تعزز الوقع الإيجابي لها، فعلى سبيل المثال، أظهرت سلسلة من الدراسات التي أُجريت من قِبل باحثين في جامعة (فيرجينيا) وجامعة (هارفارد) أن الأشخاص يميلون إلى الشعور بالسعادة بشكل أكبر عندما يكونون في الطرف المتلقي لفعل لطيف وغير متوقع، وخاصة إذا بقي الأمر غامضاً حول: أين ولماذا حدث ذلك.

بعض ردود الأفعال تلك قد تكون ذات منشأ عصبي، ففي تجربة اُخرى، قَدم العلماء المشروب بعدة أنواع لعدة أشخاص، حيث أظهر الأشخاص اللذين لم يعرفوا أنواع الأشربة التي شربوها مزيداً من النشاط في جزء من الدماغ يُعد مسؤولاً عن المشاعر الإيجابية، فالمفاجأة على ما يبدو تكون مُرْضيةً أكثر من الشعور بالنمطية و الاستقرار.

معرفة أن الزواج لم يعد بإمكانه تأمين النشوة التي كان سابقاً يؤمنها، تُعد دعوة لإدراك أهمية تجنُّب الأشياء المتوقعة من أجل مزيدٍ من اكتشاف الآخر، والتجديد وزيادة الفرص من أجل متعة غير متوقعة.

وقد أعلن (وودي آلن)- مخرج معروف- في فيلمه (Annie Hall): «الزواج مثل سمك القرش, عليه أن يتحرك إلى الأمام باستمرار أو أن يموت».

من المرجح أن يتغير شكل العلاقة عدة مرات خلال الزواج، و يجب أن يُعاد بناؤها باستمرار، إذا أردنا لها أن تزدهر.
والخبر السار هو أن العمل الطويل له فوائد محسوبة، فمرة أخرى أظهرت عملية البحث وبشكل غير متوقع أن السعادة الزوجية تصل إلى أعلى مستوياتها خلال فترة خروج الأولاد من منزل الأسرة، فالعُش الزوجي قد يكون فارغاً، لكنه أيضا مليء بإمكانية إعادة اكتشاف الشركاء ومفاجأة بعضهم البعض مرة أخرى. وبعبارة أخرى، فالعش الفارغ يوفر إمكانية التجديد والقيام بأشياء غير متوقعة. وتبقى إمكانية أن تدوم هذه المرحلة من السعادة المتأخرة لمدة تزيد عن عامين- مثل مرحلة السعادة في الفترة الأولى- أمرٌ غير واضح.

المصدر: هنا

عن Jamal Kassis

خريج علم اجتماع من جامعة دمشق، مترجم.

شاهد أيضاً

القضاء على الفقر المدقع في شرق اسيا ومنطقة المحيط الهادي 

ترجمة: سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   في …

عملية هدم الحضارة

ادريان ولدرج يرثي انهيار منظومة العادات والاعراف    بقلم : ادريان ولدرج ترجمة: سهاد حسن …