الرئيسية / بايولوجي / البشر انتشروا عالمياً وتطوروا محلياً

البشر انتشروا عالمياً وتطوروا محلياً

نيكولاس وَيد
26 يونيو 2007
غالباً ما يَفترض المؤرخون بأنهم ليسوا بحاجة ليولوا اهتماماً لتطور الإنسان لأن البشر توقفوا عن التطور في الماضي البعيد. هذا الافتراض يتجلى خَطأُ شيئاً فشيئاً في ضوء الاكتشافات الجديدة المعتمدة على فك رموز الحمض النووي البشري.
استمر البشر في التطور منذُ أول مرة تركوا فيها موطن الاسلاف في الشمال الشرقي الافريقي قبل قرابةْ 50,000 سنة، بفعل العملية العشوائية المعروفة بالانجراف الجيني (1) وعملية الانتخاب الطبيعي. فالجينوم البشري يطوي بصماتٍ كثيرة في أماكن التي تظهر أن الانتخاب الطبيعي قد عَدَلَ مؤخراً الطين البشري. فقد وجدَ الباحثون أن البشر في قارات مختلفة قد تكيفوا لإمراض ومناخ وطعام جديد وربما حتى مطالب سلوكية جديدة.
ومن الملامح البارزة لكثير من هذه التغيرات هي أنها المحلية (2). تختلف الجينات الموجودة تحت الضغط الانتقائي في مجتمع واحد قائم على أساس قاري أو عِرقي من تلك التي توجد في المجتمعات الأخرى. هذه الجينات حتى الآن تمثل جزء صغير من كل جينات البشرية.
مثال ملحوظ على انتخاب طبيعي حديث هو ظهور تَحَمّل اللاكتوز – القدرة على هضم اللاكتوز في مرحلة البلوغ – بين الرعاة الماشية في شمال أوروبا قبل حوالي 5000 سنة. اللاكتيّز – الانزيم الذي يساعد على هضم سكر الحليب الرئيسي، عادةً ما يتوقف عن أداء وظيفتهُ بعد الفطام. ولكن يملك رعاة الغنم القدرة على هضم اللاكتوز في مرحلة البلوغ نظراً لفائدتها الغذائية الكبيرة، وذلك لأن تغيير جيني حدث مَكَنَ الراعيُ من أن يحافظْ على الجينِ اللاكتيّزِ مكملاً وظيفتهُ بعد الفطام وقد انتشر هذا التغيير بين ذلك المجتمع.
لا يقتصر تحمل اللاكتوز على الأوروبيين فقط. في عام 2006م اختبرت سارة تشكوف وزملاؤها من جامعة مريلاند 43 مجموعة عرقية في شرق أفريقيا ووجدوا ثلاث طفرات منفصلة، ثلاثتها تختلف عن الطفرات الأوروبية، ايّ التي تحافظ على جينات اللاكتيّز قيد العمل في مرحلة البلوغ. واحدة من هذه الطفرات وجدت في شعوب كينيا وتنزانيا، ممكن قد ظهرت بقرابة 3،000 سنة.
وقد تطور هذا التحمل للاكتوز بشكل مستقل أربع مرات كنوع من التَطَوُّرٌ المُقارِب (3). استخدم الانتخاب الطبيعي الطفرات المختلفة المتاحة في الشعوب الأوروبية وشرق أفريقيا لجعل كل شعب يطور تحمل للاكتوز. في أفريقيا، الذين حملوا الطفرة كانوا قادرين على ترك 10 مرات أكثر ذرية، ممتلكين بذلك ميزة انتقائية قوية.
وقد وجد الباحثون الذين درسوا جينات مفردة أخرى دليل على التغير التطوري الحديث في الجينات التي توسطْ الظروف مثل لون البشرة ومقاومة للملاريا والاحتفاظ الملح.
ظهرَتْ الحالات الأكثر لفتا للتطور البشري الأخير في دراسة جديدة من نوعها، بحيث يتم فيها مسح الجينوم ضوئياً بحثاً عن أدلة على ضغوط الانتقائية من خلال النظر في عدد قليل من مئات الآلاف من المواقع (بحكم ان الجينوم يحتوي على عدد كبير جداً) المحددة حيث الاختلاف شائع فيها.
بحثوا في عام 2006 بنيامين فويت وجوناثان بريتشارد وزملاؤهم في جامعة شيكاغو عن الجينات تحت الانتخاب الطبيعي في الأفارقة والأوروبيين والشرق آسيويين. في كل عِرق، أظهرت بعض الـ 200 من الجينات إشارات من الانتخاب، ولكن ليس بالكثير من التداخل، مما يشير إلى أن الشعوب في كل قارة يتكيفون مع التحديات المحلية لقاراتهم.
دراسة أخرى، قام بها سكوت وليامسون وزملاؤه من جامعة كورنيل، التي نشرت في (وراثة بلوس- مَجَلّة) هذا الشهر (يونيو – 2007)، وجدت 100 من الجينات تحت الانتقاء في الشعب الصيني والأمريكيين من أصل أفريقي وأوروبيين الأميركيين.
في معظم الحالات، مصدر الضغط الانتخابي غير معروف. ولكن العديد من الجينات المرتبطة بمقاومة مرضٍ ما تظهر في المسح الضوئي، مؤكداً أن المرض قوة انتخابية قوية. فئة أخرى من الجينات تحت الضغط الانتخابي تغطي المتضمنين في عملية أيْض، مما يشير إلى أن الناس كانوا يستجيبون لِتغيرات في النظام الغذائي، وربما يرتبط بالتحول من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة.
العديد من جينات التي لها دور في تحديد لون الجلد هي تحت الضغط الانتخابي في الأوروبيين والشرق آسيويين. لكن دراسة الدكتور بريتشارد اختارت جينات لون الجلد في الأوربيين فقط، ودراسة الدكتور ويليامسون اختارت الجينات منتقاة في الصينيين.
والسبب في هذا الاختلاف هو أن الشاشة الإحصائية للدكتور بريتشارد تكشف عن المتغيرات الجينية التي أصبحت شائعة جداً في شعب ما ولكنها لم تصبح عالمية بعد. يختار الدكتور وليامسون المتغيرات التي تغلغلت بالفعل في الشعب والتي يمتلكها كل شخص تقريبا في ذلك الشعب.
وتشير النتائج إلى أن الأوروبيين والشرق آسيويين اكتسبوا بشرتهم الشاحبة من خلال مسالك وراثية مختلفة، وفي حالة من الأوروبيين، ربما كان آخرها منذ فترة تقارب 7000 سنة.
ويرد لغز آخر من الجينات المنتقاة من وظائف الدماغ، والتي تحدث في مختلف الشعوب، وفرضاً يمكن أن تكون استجابات ِلتحديات سلوكية واجهتها الشعوب منذ ان غادرت هذه الشعوب موطن اسلافهم في أفريقيا. ولكن بعض الجينات لها أكثر من دور، وبعض هذه الجينات ذات صلة بالدماغ يمكن أن يكون قد تم انتقاءها لوظائف أخرى.
عام ٢٠٠٥، بروس لان عالم وراثي في جامعة شيكاغو، أعلن عثوره على توقيعات من الانتخاب في اثنين من الجينات ذات صلة بالدماغ من النوع المعروف باسم مايكروسيفالنس، لأنه عندما تحور، الناس يولدون بأدمغة صغيرة جداً. اثنين من مايكروسيفالنس قد تعرضت للانتخاب في الأوروبيين وواحدة في الصينيين. وأشار إلى أن أشكال المنتقاة من الجينات قد ساعدت بتحسين القدرة الادراكية وأن جينات عديدة أخرى يم يتم الكشف عن هويتها بعد، قد يكون الانتخاب انتقى نفس الجينات في هذه الشعوب وفي غيرها.
لم يكن جين مايكروسيفالنس على قائمة الجينات المنتقاة لأيّ من الدكتورين بريتشارد أو وليامسون، وباحثين آخرين اثاروا جدلاً حول ادعاءات الدكتور لان. وجد الدكتور بريتشارد أن اثنين من الجينات مايكروسيفالنس كانت تحت الانتخاب، واحد في أفريقيا والآخر في أوروبا والشرق آسيويين.
ما هو أكثر لفتاً للانتباه ما ذكرتهُ مجموعة الدكتور وليامسون أن نسخة من جين يسمى DAB1 أصبحت عالمية في الصينيين (أيّ ان جميع الصينين يحملون نفس الجين) ولكنها لم تصبح عالمية في الشعوب الأخرى. DAB1 يعمل على تنظيم طبقات من الخلايا في قشرة الدماغ-موقع الوظائف الإدراكية العليا. أصبحت متخالفات اثنتين من الجينات المسؤولة عن السمع عالمية، واحدة في الصينين، وآخر في الأوروبيين.
القوائم الناشئة من الجينات البشرية المنتقاة قد تفتح رؤىٍ جديدة على التداخلات بين التاريخ وعلم الوراثة. قال ماركوس فيلدمان عالم وراثي سكاني في جامعة ستانفورد “وإذا طرح علينا سؤالاً ما هي الأحداث التطورية الأكثر أهمية في السنوات 5000 السالفة؟، فهي الثقافية، مثلَ انتشار الزراعة، أو انقراض الشعوب خلال الحرب أو المرض”. ومن المرجح أن تكون هذه الأحداث الثقافية قد تركت علامات عميقة في الجينوم البشري.
وأظهر الاستفتاء الجيني لسكان العالم من قبل الدكتور فيلدمان ونوح روزنبرغ وزملاؤهم في عام 2002 أن البشر يتجمعوا وراثياً على أساس الفروق الصغيرة في الحمض النووي في خمس مجموعات التي تتوافق مع الشعوب الخمسة ذوي أساس قاري وهم: الأفارقة وسكان استراليا الأصليين والشرق آسيويين والهنود الامريكيين والقوقازيين-وهي المجموعة التي تضم الأوروبيين، الشرق أوسطيين والناس من شبه القارة الهندية. هذه التجمعات تعكس ما سماهُ الدكتور فيلدمان بـ “التأثير المؤسس المسلسل”، وهذا يعني أن كما هاجرَ البشرُ في جميع أنحاء العالم، كل شعب جديد حمل بعيدا مجرد جزء من التباين الوراثي في واحد الذي اشتق منه.
أظهر المسح الضوئي الجديد للانتخاب حتى الآن أن السكان في كل قارة قد تطوروا بشكل مستقل في بعض النواحي وكأنهم استجابوا لمناخات محلية وأمراض وربما حالات سلوكية.
مفهوم عِرقٌ ذو أساس بيولوجي مثير للجدل، ومعظم علماء الوراثة يترددون في وصفه بهذا الوصف. لكن البعض يقول ان التجمع الوراثي في مجموعات على أساس قاري تتطابق تقريباً مع المفهوم الشعبي للجماعات العِرقية. قال الدكتور بريتشارد: “هناك صعوبات في المكان الذي تضع فيه الحدود على اليابسة، ولكننا نعرف الآن أن هناك اختلافات وراثية كافية بين الناس من مختلف أنحاء العالم التي يمكن أن تصنف الناس في مجموعات التي تتوافق مع المفهوم الشعبي عن العِرق”.
قال ديفيد رايك عالم الوراثة السكانية في كلية هارفرد الطبية، أن مصطلح “العِرق” كان غير دقيق علمياً، وأنه يفضل استخدام “النسب”. ويستطرد الاختبارات الجينية للنسب الآن دقيقة جداً بحيث أنهم قادرين على تحديد ليس فقط الأوروبيين ولكن يمكن التمييز بين الأوروبيين الشماليين والجنوبيين. تستخدم اختبارات النسب في محاولة لتحديد الجينات المسببة لخطر مرض ما عن طريق المقارنة بين شخص مصاب بالمرض وشخص صحيح الجسم. يتم استبعاد الناس مختلفي الاعراق من مثل هذه الدراسات. لأن اختلافاتهم الجينية تعتم الاختلاف الجيني بين المريض والصحي.
لا أحد يعرف بعد إلى أي مدى الانتخاب الطبيعي للظروف المحلية قد أجبرَ الشعوب في كل قارة نحو مختلف المسارات التطورية. ولكن يمكن تتجلى هذه المسارات بأن تكون موازية لبعضها نوعا ما. على الأقل بعض من التغيرات التطورية الآن كانت من الواضح انها مُقارَبة، أيّ بمعنى أن الانتخاب الطبيعي قد استفاد من الطفرات المختلفة المتاحة في كل مجموعة من السكان لتحقيق نفس التكيف. هذا هو الحال مع تحمل اللاكتوز في الشعوب الأوروبية والأفريقية ومع البشرة الفاتحة في الآسيويين الشرقيين والأوروبيين.
حواشي
1- الانجراف الجيني: اختلاف في الترددات النسبية لموروثات مختلفة في عدد صغير من السكان، نظرا لفرصةْ اختفاء جينات معينة بموت الأفراد أو عدم تكاثرها، وهو واحد من الآليات الأساسية للتطور [المترجم].
2- محدودة لمجموعة من الناس.
3- هو العملية التي يتمكن بواسطتها الكائن الحي غير المرتبط ارتباطاً وثيقاً (أي لم يأتي من نفس السلف)، بصورة مستقلة أن يطور صفات مماثلة للبيئة التي يتواجد فيها كالثعلب مثلاً تكييف لطفرة تعطيه لونين من الشعر، أبيض في الشتاء ورمادي محمر في الصيف مكنته هذه الميزة من البقاء في بيئته حتى لا يضطر لِهجرها [المترجم].
المصدر: هنا

عن Bahaa Mohammed

مترجم ومصمم عراقي

شاهد أيضاً

“حمضٌ من بين ملايين الأحماض”: حمض الـ DNA ليس الجزيء الجيني الوحيد

تقديم: مات دافيس بتاريخ: 21. نوفمبر. 2019 لموقع: BIGTHINK.COM ترجمة: هندية عبد الله تصميم الصورة: …

“محرك الوعي” في الدماغ هي منطقة بالغة الصغر

بقلم: ستيفن جونسن بتاريخ: 12/شباط/2020 ترجمة: رهام عيروض بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: …