الرئيسية / تقنية / التراكيب المطبوعة ضوئيًا على أشكال ثلاثية الأبعاد “تتذكّر” أشكالها

التراكيب المطبوعة ضوئيًا على أشكال ثلاثية الأبعاد “تتذكّر” أشكالها

يستخدم مهندسون من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم (SUTD) الضوء لطباعة تراكيب ثلاثية الأبعاد “تتذكّر” أشكالها الأصلية. فحتى بعد مطّها ولفّها وثنيها بزوايا حادّة، فإن هذه التراكيب، فإن هذه التراكيب، التي تم تغيير شكلها من لفائف صغيرة وأزهار متعدّدة المواد إلى صورة طبق الأصل من برج إيفل بطول إنش واحد، عادت إلى أشكالها الأصلية خلال ثوانٍ من تسخينها إلى درجة حرارة معينة تسمى بـ “النقطة المفضلة” (sweet spot).
فبالنسبة لبعض التراكيب، تمكّن الباحثون من “طباعة” مزايا ضوئية ميكرونية بالغة الصغر بحجم قطر شعرة الإنسان، وبأبعاد يبلغ حجمها على الأقل عُشر ما كان الآخرون قادرين على تحقيقه باستخدام مواد قابلة للتشكيل وقادرة على تذكر أشكالها. نُشرَت نتائج الفريق بوقت سابق في هذا الشهر في الدورية الإلكترونية (التقارير العلمية) “Scientific Reports”.
يقوم البروفيسور نيكولاس اكس فانغ، الأستاذ المشارك في الهندسة الميكانيكية في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، بأن البوليمرات المتذكِّـرة لأشكالها (shape-memory polymers)، والتي بإمكانها أن تتنبّأ بالتحوّل الذي ستقوم بها على شكلها استجابةً لدرجات حرارة معيّنة، ستكون نافعة لعدد من التطبيقات، ابتداءً من المشغلات الإلكترونية الداخلية التي تُدير وجهة اللوحات الشمسية باتجاه الشمس، حتى كبسولات الدواء الصغيرة جدًا والتي تتفتح لتفريغ محتوياتها في جسم الإنسان بمجرد استشعارها بدايات أعراض الإلتهاب أو العدوى لديه.
’’نحن نطمح في النهاية إلى أن نتمكن من استخدام درجة حرارة جسم الإنسان كمحفز للإستجابة‘‘، يقول البروفيسور فانغ. ويضيف: ’’إذا ما تمكنّا من تصميم هذه البوليمرات بشكل صحيح، فقد نتمكن من صنع جهاز لحقن الدواء لا ينفتح لحقن الدواء في جسم الإنسان إلا عند استشعاره علامات الحمّى‘‘.
تضم مجموعة زملاء البروفيسور فانغ في كتابة هذه الورقة البحثية الزميلَ البحثي من جامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم لدى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، تشي “كيفن” غي، وهو الآن أستاذ مساعد لدى جامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم؛ والزميل البحثي السابق لدى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا هاوون لي، والذي هو الآن أستاذ مساعد بجامعة روتغرز؛ وآخرون من جامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم ومعهد جورجيا للتكنولوجيا.
يقول البروفيسور غي بأن عملية طباعة مواد ثلاثية الأبعاد تتذكّر أشكالها بالإمكان أيضًا التفكير بها على أنها عملية طباعة رباعية الأبعاد، حيث أن التراكيب مصممة للتغير على مدى البعد الرابع، ألا وهو الزمن.
’’لا تعمل طريقتنا فقط على التمكين من عملية الطباعة رباعية الأبعاد على مستوى الميكرون بالغ الصغر فحسب، بل أنها تقدم أيضًا وصفات لتشكيل بوليمرات متذكرة لأشكالها وبإمكانها أن تتمدد بعشر مرات أكبر من تلك المطبوعة عبر الطابعات التجارية ثلاثية الأبعاد‘‘ – يقول غي. ويضيف: ’’سيعمل هذا الأمر على تحقيق تقدُّم في عمليات الطباعة رباعية الأبعاد إلى مجموعة متنوّعة واسعة من التطبيقات العملية، بما في ذلك الأجهزة الطبية الحيوية، والتراكيب القابلة لإرسالها في الجو والفضاء، والخلايا الشمسية الفولتية الضوئية متغيرة الأشكال‘‘.
الحاجة للسرعة
لقد كان البروفيسور فانغ وآخرون يعملون على استكشاف استخدام المواد الليّنة الفعالة كأدوات مطاوعة وبالإمكان الإعتماد عليها. فهذه المواد الجديدة والبازغة، والتي تشتمل على بوليمرات متذكرة لأشكالها، بإمكانها أن تتمدد وتتشوه بشكل كبير جدًا استجابةً للمحفزات البيئية كالحرارة والضوء والكهرباء، وهي خصائص كان الباحثون يعملون على دراستها لاستخدامها في الأجهزة الطبية الحيوية، وأجهزة الإنسالي (الروبوت) الإلكترونية، والمتحسسات القابلة للإرتداء، والعضلات الإصطناعية.
إنّ البوليمرات المتذكرة لأشكالها هي مثيرة للاهتمام على وجه الخصوص. فبإمكان هذه المواد أن تتحوّل بين حالتين، الحالة الأولى هي حالة أكثر صلابةً، منخفضة الحرارة وغير متبلورة، والحالة الثانية هي حالة ليّنة وعالية الحرارة ومطّاطية. إن بالإمكان “تجميد” الأشكال المنثنية والممطوطة بدرجة حرارة الغرفة، وعند تسخينها فسوف “تتذكّر” هذه المواد شكلها المتين الأصلي ومن ثم تعود إليه.
ولغرض تصنيع التراكيب المتذكِّرة لأشكالها، فقد نظر بعض الباحثين في إمكان استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد كخيار للقيام بهذا الأمر، حيث أنّ التكنولوجيا تسمح لهم بالقيام بتصميم “خصوصي” للتراكيب بقدر دقيق وممتاز نسبيًا من التفصيل، إلّا أنه من خلال استخدام الطابعات التقليدية ثلاثية الأبعاد، لم يتمكّن الباحثون سوى من تصميم تراكيب بتفاصيل ليست أصغر من بضعة مليمترات. يقول البروفيسور فانغ بأنّ تقييد الحجم هذا يحدّ من مقدار السرعة التي بإمكان المادة خلالها استعادة شكلها الأصلي.
’’الحقيقة هي أنه إذا ما تمكن المرء من الوصول إلى أبعاد أصغر بكثير جدًا، فبإمكان هذه المواد أن تستجيب بسرعة عالية جدًا، خلال ثوانٍ‘‘ – يقول فانغ. ويضيف قائلًا: ’’فعلى سبيل المثال، بإمكان زهرة ما أن تُطلق اللقاح في غضون عدة مِلّي ثواني. وهي ليس بإمكانها القيام بذلك إلا نظرًا لكون آليات التفعيل والإجراء لديها تعمل على النطاق الميكروني بالغ الصغر‘‘.
الطباعة بالضوء
ولغرض طباعة تراكيب متذكرة لأشكالها بقدر أكبر دقة من التفاصيل، استخدام البروفيسور فانغ وزملائه عملية طباعة ثلاثية الأبعاد قاموا بابتكارها، تُسمى بالطباعة التشكيلية المجسّمة الدقيقة (microstereolithography)، والتي يستعملون فيها الضوء الصادر من جهاز كشاف ضوئي لطباعة أنماط معينة على طبقات متتالية من مادة الراتنج الصمغية (resin).
صنع الباحثون أولًا نموذجًا لتركيب معين باستخدام برنامج للتصميم بمساعدة الحاسوب – (Computer-Aided Design)، (CAD)، ومن ثم قاموا بتقسيم النموذج إلى مئات من الشرائح، يرسلون كل منها عبر جهاز الكشاف الضوئي كخارطة نُقَطية على هيئة ملف صوري يمثل كل طبقة على هيئة ترتيب للبِكسلات (pixels) الدقيقة جدًا. ومن ثم يسلّط جهاز الكشاف الضوئي الضوء تبعًا لنمط الخارطة النُقَطية على راتنج صمغي سائل أو محلول بوليمر، عاملًا على رسم النمط أو الشكل على الراتنج الصمغي السائل، والذي يتصلّب في النهاية مشكلًا التركيب المطبوع.
’’نحن نطبع بالضوء، طبقة تلو الأخرى‘‘ يقول فانغ. ويضيف بالقول: ’’يشبه الأمر كثيرًا كيفية قيام أطباء الأسنان بصنع نماذج نت الأسنان وبتعبئة الحشوات، بإستثناء أننا نقوم بالأمر باستخدام عدسات عالية الوضوحية نحصل عليها من صناعة أشباه الموصلات، والتي توفّر لنا قطع معقّدة، وبأبعاد مقاربة بقطر شعرة الإنسان‘‘.
ومن ثم أجرى الباحثون مراجعة للتراث العلمي المنشور لتحديد خليط مثالي من البوليمرات لصنع مواد متذكرة لأشكالها والتي سيقومون بطباعة أنماطهم الضوئية عليها. وقد اختار الباحثون بوليمرَين اثنين لهذا الغرض، الأول يتألّف من بوليمرات طويلة السلسلة، أو جدائل شبيهة بخيوط السباغيتي، والآخر شبيه بألواح صلبة. وعند خلطهما سويةً ومعالجتهما، أصبح بالإمكان مطّ ولفّ المادة بشكل كبير جدًا من دون أن تتكسر.
وما هو أكثر من ذلك، فبإمكان المواد أن تعود إلى صيغتها المطبوعة الأصلية ضمن مدى معين لدرجات الحرارة مقداره (في هذه الحالة) ما بين 40 إلى 180 درجة مئوية (104 إلى 356 درجة فهرنهايت).
طبع الفريق مجموعة متنوّعة من التراكيب، بما في ذلك اللّفائف والأزهار ونموذج مصغّر لبرج إيفل، حيث أن برج إيفل الأصلي بكامل حجمه معروف باستخدامه أنماط معقدة من الحديد والعارضات الإنشائية. وجد فانغ بأن بالإمكان مطّ التراكيب بثلاث مرات أكثر من طولها الأصلي من دون أن تتكسر. وعندما تم تعريضها للحرارة ضمن مدى 40 إلى 180 درجة مئوية، فقد عادت مجددًا لأشكالها الأصلية في غضون ثوانٍ.
’’لأنّنا نستعمل طابعاتنا الخاصة بنا والتي تقدم حجم طباعة نُقَطية أصغر، فنحن نشهد استجابةً أسرع بكثير وعلى مستوى ثوانٍ‘‘. يقول فانغ. وأضاف أيضًا: ’’إذا ما تمكنَّا من الوصول إلى أبعاد أصغر حجمًا، فقد نتمكّن أيضًا من تقصير زمن الاستجابة لها لتصبح على مستوى أجزاء الثانية (الملّي ثانية)‘‘.
المقبض المطاوِع
ولبيان تطبيق بسيط للتراكيب المتذكرة لأشكالها، قام فانغ وزملاؤه بطباعة مقبض صغير مطاطي شبيه بالمخلب. ومن ثم أرفقوا ممسكًا نحيفًا بقاعدة المقبض، ومن ثم قاموا بمطّ مخالب المقبض لفتحها. وعندما أداروا درجة حرارة الهواء المحيط لدرجة 40 درجة مئوية على الأقل، انغلق المقبض حول كل ما وضع المهندسون أسفله.
’’إن المقابض مثال لطيف على كيفية إمكان القيام بعملية التلاعب باستخدام مواد ليّنة مطاوعة‘‘ – يقول فانغ. ويضيف: ’’لقد أظهرنا أن من الممكن التقاط برغي صغير، وكذلك بيوض السمك وقطع فول الصويا المهروسة. لعل هذا النوع من المقابض المطاوعة نوع مفيد وفريد للغاية‘‘.
من خلال المضي قُـدُمًا، يأمل البروفيسور فانغ أن يجد توليفات للبوليمرات لصنع مواد متذكرة لأشكالها تستجيب لدرجات حرارة أقل قليلًا وعلى نحو يقترب من درجات الحرارة البشرية، وذلك لتصميم كبسولات دواء مطاوعة، فاعلة، وبالإمكان السيطرة عليها لحقن المادة الدوائية في جسم الإنسان. فهو يقول بأن المادة بالإمكان أيضًا “طباعتها” على هيئة مفاصل ليّنة ومطاوعة لغرض مساعدة اللوحات الشمسية على تتبع حركة الشمس.
’’في الكثير جدًا من الأحيان، ستتولد الحرارة الزائدة على الجانب الخلفي من الخلية الشمسية، وبالتالي سوف تتمكن من استخدام [مواد متذكرة لأشكالها] كوسيلة إجراء لضبط زاوية الميلان للخلية الشمسية‘‘ – يقول فانغ. وأردف بالقول: ’’وبالتالي، فإنّنا نعتقد بأنّه ربّما ستكون هنالك تطبيقات أكثر بإمكاننا عرضها في هذا المضمار‘‘.
مرجع الدورية العلمية:
• تشي غي، أمير حسين سخائي، هوون لي، كونر ك. دون، نيكولاس اكس فانغ، مارتن ل. دون، الطباعة متعددة المواد ورباعية الأبعاد ببوليمرات قابلة للتشكيل ومتذكرة لأشكالها. التقارير العلمية، 2016
المصدر:- Science Daily

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

وقود يخزن الطاقة الشمسية لمدة 18 سنة

كتبه لموقع “ساينس أليرت”: كارلي كاسيلا نُشر بتاريخ: 6/11/2018 ترجمة: بان علي مراجعة وتدقيق: عقيل …

فرانكنشتاين: التجارب الحقيقية التي ألهمت الخيال العلمي

كتبه لموقع “ذي كونفرزيشن”: ايوان موروس نشر بتاريخ: 26/10/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى مراجعة وتدقيق : …