الرئيسية / تقنية / إستخدام الذكاء الإصطناعي في محاربة السرطان

إستخدام الذكاء الإصطناعي في محاربة السرطان

في شهر تشرين الثاني\نوفمبر عام 2013، خضع أكثر من 100 مريض يُعانون من أمراض سرطانية مختلفة كسرطان البنكرياس والثدي والكبد وأورام الدماغ إلى تجارب سريرية أستخدم فيها «BPM 31510»، وهو علاج أكتشف بواسطة خوارزمية حاسوب.

بدأت قصة علاج «BPM 31510» باستخراج بيانات بيولوجية من عيِّنات أنسجة سليمة وأنسجة مُصابة بالسرطان من ما يزيد عن ألف مريض. ثُم عولجت هذه البيانات بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، التي حلَّلتها واقترحت الدواء المُناسب. يقول نيفين آر. ناراين «Niven R Narain»، الرئيس والمؤسس المشارك في بيرغ «Berg» (شركة الأدوية التي أوجدت علاج الـ BPM 31510): «لقد عكسنا المنهج العلمي أساسًا. بدلًا من أن تقودنا الفرضيات المُسبقة لإجراء تجارب وخلق نوع محدد من البيانات، سمحنا للبيانات البيولوجية للمرضى أن تقودنا إلى الفرضيات.»

كما هو معروف، عملية صُنع أدوية فعَّالة لمحاربة السرطان هي عملية صعبة وقد يُكِّلفُ تطويرُها وإنتاجُها شركات الأدوية مبالغ تصل إلى 2.6 مليار دولار ويستغرق إكمالُها مدة 12 إلى 14 سنة. يقول ناراين: «واحد بالمئة فقط من علاجات السرطان أثبتت فاعليتها بالتجارب السريرية. إنها عملية مُكلفة ويستغرق تطويرها أمدًا طويلًا.»

وفقًا لناراين؛ تكمُن المشكلة في الطريقة التي تستخدمُها شركات الأدوية في إنتاج علاجات محاربة السرطان. يقول: «يأتي عالمٌ ما بفرضيةٍ تقول أن البروتين المنحرف المُعيَّن هو المسؤول عن نوعٍ مُعيَّن من السرطان. تقوم شركة الأدوية بإختبار هذه الفرضية بفحص البروتين المستهدف من ملايين المُركَّبات، بحثًا عن القلة التي قد تتفاعل كيميائيًا وتُصبح دواءً.» هذه هي المنهجية العلمية.  يصفها ناراين بـ ‘المحاولة والإخفاق‘، أشبه بلعبة سهام إذ لا تعرف أيَّ سهمٍ سيُصيب المركز. يعتقد أن بمقدوره تحقيقُ تقدُّمٍ بنصف الوقت ونصف الكلفة بالتفكير بطريقةٍ مُختلفة.

صُنع المُركَّب «BPM 31510» من إنزيم يلعب دورًا اساسيًا في الأيض الخلوي، وهو العلاج الأول الذي اقترحه الذكاء الاصطناعي لشركة بيرغ. بدء تطوير الدواء بكفاءة في عام 2009، عندما أُحضرت عينات أنسجة مُصابة بالسرطان من أكثر من 1000 مريضًا من كليات طب مُختلفة في الولايات المتحدة. احتوت هذه العيِّنات على أكثر من 40 نوعًا من الخلايا السرطانية؛ أنواع متعددة من سرطان الثدي، سرطان البروستات، سرطان الكبد، سرطان الكلية، سرطان الرئة، وسرطان الدماغ، إضافةً إلى أنسجة سليمة مستخرجة من نفس المرضى.

لم يشأ ناراين أن تقتصر دراسته على نوع واحد من السرطان. وإنما أراد بناء نموذج تشترك فيه أنواع السرطان المُختلفة. خلق باحثو شركة بيرغ من هذه العيِّنات بيئاتٍ مختبرية يمكن تعريضُها إلى تجاربٍ أكبر. ولتقليد البيئات الدقيقة التي تتعرض لها الخلية داخل جسم الإنسان، أخضعوا الخلايا في طبق بتري إلى مستوياتٍ مختلفة من السُكر والأوكسجين وتعقَّبوا تطورها بالمطابقة والقياس المستمر للدهون، النواتج الأيضية، البروتينات والإنزيمات التي تنتجها الخلايا. يقول ناراين: «كُنا نقيس كيف تتغير البيانات مع البيئة. إلى جانب المعلومات الجينية، حصلنا على 14 تريليون نقطة بيانية من عينة نسيج واحدة.»

ساعد هذا السيل من البيانات البيولوجية علماء شركة بيرغ على تخطيط سلسلة ردود الأفعال الجُزيئية التي تحدث في الخلايا؛ من الجينات إلى البروتينات إلى الدهون والنواتج الأيضية بتفصيلٍ لم يسبق لهُ مثيل. وباستخدام الذكاء الاصطناعي، تمكنوا عندها من المُقارنة بين الخلايا السليمة والخلايا المريضة. يقول ناراين: «سيكون من المستحيل مُعالجة كل تلك البيانات يدويًا، أو حتى فهمها من وجهة نظر منطقية. أنت ستحتاج لإستخدام الذكاء الاصطناعي لمعرفة كيف تتوقف العمليات الخلوية الطبيعية، كيف يؤدي هذا إلى المرض وما هي العلاجات المُحتملة. معظم الناس سيقولون: ‘ليس هكذا تتطور الأدوية،‘ وسأُجيب: ‘بالضبط، لأنَّ هذه هي الطريقة التي من المفترض أن تتطور بها.‘»

استنتج ناراين مُنذ البداية أنَّ العلم الذي تقوده الفرضيات قد تحطَّم، وذلك عندما كان باحثًا في أمراض السرطان بعمر الخامسة والعشرين في جامعة ميامي كلية طب ميلر. وفي الثاني والعشرين من تموز\يوليو عام 2003، أجرى تجربة على خلايا الورم الميلانيني في أطباق بتري. عالجها باستخدام مرهم يحتوي مُركَّب الـ  «CoQ10»، وهو إنزيم يستقر داخل الميتوكوندريا؛ التي تُعدُّ مصدر الطاقة للخلية. وللمفاجأة، ماتت كُل الخلايا السرطانية التي كانت في أطباق بتري في اليوم التالي. أعاد التجربة لاحقًا على الفئران التي تعاني الورم الميلانيني. وبعد ثلاثين يومًا تقلصت الأورام بمعدل 55%. لم يمتلك ناراين أية فكرة لماذا حدث ذلك.

يقول ناراين: «كان ذلك بعد سنتين من إكمال ‘مشروع الجينات البشرية،‘ كان هُنالك اعتقادٌ عندها بأن السرطان يُقاد بواسطة الجينات. صدَّق مُعظم الناس ذلك، وبعد تتابُع الجينات، كان كل ما علينا فعله هو إيجاد الجين المسؤول عن السرطان، نقوم بتعديله، فنُعالج مُعظم السرطانات.» ناراين الذي كان شريكًا باحثًا في علم الأورام الجلدية وأبحاث علم التداوي في كلية طب ميلر، عمل تحت إشراف سونغ هسيا «Sung Hsia»، وهو محقق صيني درس مع الحائز على جائزة نوبل إدوارد دويزي «Edward Doisy»؛ المشارك في اكتشاف فيتامين ك وهورمون الأستروجين.

يستذكر ناراين: «كان هسيا في الثمانين من عمره في ذلك الوقت، كان يقول: ‘أنا لا أفهم هذه التقنيات الوراثية الجديدة، ولكنني لم أنس أبدًا أن الكيمياء الحيوية هي أساسُ الجسم. تلك هي النقطة التي تُمثل استمرارية الصحة أو بداية المرض.‘ لم ينس أبدًا.» ناقش ناراين العلماء الذين اقتنعوا بأن علم الجينات كان الجواب لكل مشاكل الطب. بالنسبة لناراين كانت الجينات جزءًا من معادلة أكبر تضمنت دراسة البروتينات، والنواتج الأيضية والدهون الخلوية.

عندما أبلغ ناراين نتائج تجاربه لهسيا؛ الذي كان يعمل مع مركب الـ ««CoQ10 لعقود، ردَّ مُشرفهُ: «من المُستحيل أن يتمكن شيءٌ يمتلك دهونًا، إنزيمات وآليات الميتوكوندريا من قتل الخلايا السرطانية وخاصة الورم الميلانيني، لقد أفشلت التجربة.»

كرر ناراين التجربة. وضاعفت مجموعة بحثٍ أخرى التجربة. لم يوفَّقوا. يقول ناراين: «لم نُسلِّم الجينات ما جعلني أتساءل ما الذي كان يحدُث. كان لابد أن تنجح بعيدًا عن علم الجينات. لم يكن من اللطيف قول ذلك عندها. ولا يزال، إلا أنك لا بد أن تتبع البيانات.»

أتى بفرضية، جرَّبها، جمع المعلومات وحللها. لم تكن ذات معنى. فوصل إلى استنتاج نهائي: لم يكن العلم الذي تقوده الفرضيات أفضلُ حلٍ لعلاج الأمراض المعقدة، خاصةً السرطان.

تأسيس شركة بيرغ

في آذار\مارس من العام 2005، زار ميتش غراي Mitch Gray، الرئيس التنفيذي لمؤسسة خاصة مقرها في ناشفيل، ولاية تينيسي الأمريكية، جامعة ميامي قسم طب الأمراض الجلدية الذي كان يعمل فيه ناراين. اشترى غراي حقوق استخدام العلامة التجارية Sea & Ski؛ وهو مستحضر عناية بالبشرة كان رائجًا في الثمانينيات، وكان يبحث عن مستحضرات جلدية جديدة. كان ناراين مصابًا بنزلة برد في ذلك الوقت وكان على وشك العودة إلى المنزل عندما طلب منه رئيسه أن ينضم لاجتماع ويُقدم عرضًا عن عمله. يقول ناراين: «لم أكن أشعر بصحة جيدة ولم أرغب حقًا بالتواجد هناك، لذا كنت أشرح بسرعة وذكرتُ بإيجاز عمل مركب الـ CoQ10، طلب غراي مني التوقف والشرح أكثر. قلت لنفسي مادام هو متواجدٌ هنا من أجل مستحضرات عناية بالجلد، لم يكن شرحي ذا أهميةٍ له. وعندها قال غراي: اسمح لي أن أختار ما أنا مهتمٌ به. أوقفني بينما كنتُ أشرح.»

عندما أنهى ناراين شرحه، طلب غراي منه أن يلتقي بفريقه من ناشفيل وزميله كارل بيرغ Carl Berg. كان بيرغ مُصلِّح آلات بيع سابقًا والذي استثمر في الملكية التجارية لوادي السيليكون في الستينات. الآن هو ملياردير ومؤسس مشارك في الملكيات المهمة التي تقع في كوبرتينو الغربية، التي سيطرت على أكثر من 700،000 متر مربع من عقارات وادي السيليكون. كان ايضًا من أوائل المستثمرين في أكثر من 100 شركة تقنية، بضمنها  Sun MicroSystems و NetLogic.

وفي عام 2006، رخَّص غراي وبيرغ منتجًا يحتوي مركب الـ «CoQ10»، الذي كان ناراين يدرسه في بحوثه، وأسس الثلاثةُ شركة جديدة، ‘مختبرات سايتوتيك‘ «Cytotech Labs»، حيث كان ناراين مستشارًا علميًا. استمر ناراين الذي كان لا يزال يعيش في ميامي بدراسة المُنتج. وبعد ستة أشهر، استدعى بيرغ مع أخبارٍ جديدة. اختبر المُنتج على عددٍ من الخلايا السرطانية. فتم قتلُها. يستذكر بيرغ: «أخبرني ناراين: ‘أعتقد أن هناك فرصة أن يحتوي منتجك على شيءٍ يُمكن أن يمتلك تأثيرًا على السرطان.‘ كنتُ عندها مهتمًا جدًا لأنه لطالما تم إخباري أن كل الخلايا السرطانية مختلفة. نحنُ سنطبقه الآن إذا ما عمل حقًا على عددٍ من الخلايا السرطانية. وقلتُ لهُ حينها: ‘أخبرني عندما تُعالج شخص ما.‘»

الأبُ العنيد

بعد سنة من تسجيل براءة اختراع العقار، اتصل خبيرٌ بالملكية العقارية بـ ناراين. شرح الرجل الذي لم يذكر اسمه ناريان لأسباب خاصة، أن ابنهُ البالغ من العمر ثماني سنوات كان يحتضر من مرض ساركوما إيوينغ «Ewing’s sarcoma»، وهو سرطانٌ نادر وعلى ما يبدو غير قابل للعلاج في العقد اللمفاوية. جرب الرجل الكثير من العلاجات، التقليدية منها والتجريبية. كلها فشلت ولم يبق أمام الطفل إلا عدة أشهر ليعيشها. أراد الرجل تجربة مرهم شركة سايتوتك الجديد. شرح ناراين للرجل أن المنتج لم يتم تجربته على سرطانات ساركوما (اللحمية). أخبره: «أنا أعلم ذلك، ولكن المنهج الذي أتيت به مختلف. أريد تجربته.» يستذكر ناراين: «لم أرد خلق آمال مخيبة، ولكنه كان أبًا حاد الطباع لا يرضى بـ لا كجواب.» عندما اجتمعوا، وافق ناراين، بينما شرح بوضوح لأب الطفل وللأطباء الذين كانوا برفقته اعتقاده بأن هذا النهج العلاجي لا يمتلك قاعدة عقلانية لشفاء سرطان إبنه. «فعلتُ ذلك لأنني لا أستطيع اخبارك كيف يبدو شعور النظر في عيني ذلك الرجل. كان يائسًا ومنظره مروع.»

للمضي قدمًا، كان يجب على شركة سايتوتك أولًا أن تستحصل الموافقة من إدارة الأغذية والدواء الامريكية «FDA». عندما قدم فريق سايتوتك رسميًا ورقة البحث إلى الإدارة، حصلوا على الموافقة في أقل من ثلاث ساعات.

من أجل العلاج، وضع الأطباء المرهم تحت ذراعي الطفل، خلف الركب وخلف العنق، وهي المواضع التي يمكن للعقد اللمفاوية أن تمتص الدهون إلى داخل الجسم. قال ناراين: «لو أردت أن يدخل المرهم إلى داخل الجلد، أعتقد لو دخل ما يكفي منه داخل العقد اللمفاوية، ربما عندها سيصل البعض منه إلى داخل النظام ويتوزع في الجسم. ذلك هو الهدف الجوهري، ولكن دعني أكن صادقًا: يستحيل أن تُعالج الأورام الصلبة بمثل هذه الطريقة. كانت إحتمالية نجاح هذه العملة صفر تقريبًا.»

بعد ثمانية أشهر، لم يمتلك الطفل أي اشارة لوجود السرطان. يقول ناراين: «هو حيٌ اليوم ويعيش بشكلٍ رائع. لم نمتلك ادنى فكرة ما الذي حصل بحق السماء، أعطانا الشفاءُ فكرة ان هذه الحالة رُبما كانت جزيئة خاصة جدًا. بكيتُ عندما سمعت الأخبار. لم يتوقع أيُّ عالمٍ حدوث ذلك.»

بدء النهج الجديد

في نهاية عام 2008، انتقل ناراين إلى كامبردج، ماساتشوستس، وبدلت الشركة اسمها إلى شركة بيرغ للأدوية «Berg Pharma». بدا ناراين متخبطًا مع ما رآه في العيادات. يقول: «لم تكن الطريقة التي كان يتم فيها علاج المرضى ذات صلة عادةً بتركيبهم البيولوجي وأمراضهم. علمت أنني لابد أن أبدأ ثانية وأضع البيولوجيا في الطليعة.» روج بعدها ناراين لشركته بيرغ فكرة تطوير مناهج تقودها البيانات في إيجاد الادوية، باستخدام فحص الطاقة الإنتاجية الجُزيئي العالي والذكاء الاصطناعي. بدا بيرغ مهتمًا. كان مرهقًا من أعمال العقارات وقرر الاستثمار في الشركات التي يحتمل أن تُغير العالم. أقنعته فكرة ناراين.

يقول بيرغ: «لأكثر من خمسين سنة، تفاديت التقنيات البيولوجية لأنني شعرت بأن إدارة الأدوية والغذاء الأمريكية كانت خطرًا إضافيًا آخرًا لم أود المضي به. ولكنني اعتقدت أن ما توصلنا إليه ثوريٌ جدًا لدرجة كنت مستعدًا لتحمل ذلك النوع من الخطر.»

في بداية عام 2010، أكمل الفريق التكرار الأول لنموذج السرطان: خريطة صورت بتفصيل لم يسبق له مثيل تتابع الأحداث البيولوجية التي تؤدي من الصحة السليمة إلى السرطان. يقول ناراين: «مُخرجات الآلة أشبه بخريطة طيران، تتكون من خطوط كبرى لمعظم حركة المرور، نيويورك أو لندن، وخطوط تمر خلالها. تُمثل الخطوط في الخريطة الجُزيئات التي أما أن تكون وفيرة أو ناقصة في الأنسجة السرطانية مقارنةً بالأنسجة السليمة. تُصبح الجزيئات على هذه الخطوط علاجنا. هذا ما يخبرنا به الذكاء الاصطناعي في الفرق بين الصحة والمرض. يُميز هذا النظام الجزيئات التي هي أما وفيرة أو ناقصة في الخلايا المريضة، لذا فأننا أما نقوم بتغذية هذه البروتينات أو الإنزيمات رجوعًا إلى النظام، أو نقلل منها أو نمنعها لنسمح للنظام أن يعود إلى طبيعته.»

كان لخريطة السرطان خمسة خطوط. صُنع الخط الأول بواسطة بمجموعة من الإنزيمات التي تعيش داخل الميتوكوندريا. كان أحد تلك الإنزيمات هو الـ «CoQ10». يقول ناراين: «كانت لحظة إثبات. كُل تلك السنوات التي راودتني فيها فكرة أنه لا يُمكن أن تكون بسبب الجينات، والآن يُخبرني الذكاء الاصطناعي أن مرتكز السرطان هو الميتوكوندريا. بالطبع كان لذلك معنىً في بالي، بعيدًا عن كل التجارب السابقة.»

عندما أخذ ناراين مُركَّب الـ «CoQ10» وأعاد تغذيته إلى الأنسجة السرطانية في المختبر، بدأت معظم الخلايا السرطانية بالموت. وباستخدام متتبع بيانات بيرغ المُركَّز، كان ناراين قادرًا أخيرًا على فهم لماذا يحدُث ذلك. في الميتوكوندريا، حيث ينشط مُركَّب الـ «CoQ10» ويساعد في انتاج الطاقة ضمن الخلية، لا يمدُّ الخلية بالطاقة وحسب وإنما يتحكم في قدرتها على الموت.

يقول نارين: «بإمكان الخلايا السرطانية إيقاف المييتوكوندريا وتوليد الطاقة من حمض اللبنيك (اللاكتيك) بدل الأوكسجين. تفقد الخلايا السرطانية بسبب ذلك القدرة على الموت. إعادة تغذية مركب الـ CoQ10 يعكس ذلك التأثير، ويحول الخلايا السرطانية إلى خلايا طبيعية.»

يقول ناراين (في زيارة لمختبرات شركة بيرغ فارما التي تحتوي على عدد من المطيافات الكُتلية وخوادم حواسيب كبيرة): «ما تراه هنا هو المختبر الاكثر تشددًا، والأعلى إنتاجية، والأكبر حجمًا في البلاد. نحن نعالج عيناتٍ هنا أكثر من أي مختبر أكاديمي أو صناعي.»

تدرس مختبرات بيرغ فارما حاليًا أكثر من 200 علاجًا، مع العديد من الدراسات ما قبل السريرية، تستهدف في معظمها السرطان والسكري والأمراض العصبية. وفي السنوات القليلة المقبلة، يتوقع ناراين أن تجد الشركة على الأقل علاجًا واحدًا مُعتمدًا لأنواع مختلفة من السرطان وتسويق طُرق تشخيص جديدة لسرطان البروستات تجاريًا. يمتلك بيرغ برامج بحوث أدوية مستمرة للأمراض العصبية مثل الزهايمر والشلل الرعاش (مرض باركنسون.) يقول ناراين: «أعتقد أن الأعصاب هي السرطان المقبل. أغلقت شركات الأدوية برامجها العصبية بسبب فشل معظم التجارب. ليس لدينا أي فكرة عن بيولوجيا تلك الأمراض.»

يتجول ناراين في غرفة مليئة بمجمداتٍ تحتوي على عينات خلايا من أكثر من 60،000 مريضًا من كليات الطب. تُخزَّن العينات في الداخل في أنابيب إيبندورف «Eppendorf tubes». كلها تحمل سمات توضيحية: الشلل الرعاش، الزهايمر، السكري، السرطان، الذئبة، الإلتهاب. يقول ناراين: «لدينا عينات من الخلايا ولدينا ايضًا الإفرازات التي تخرج منها. هناك الكثير من المعلومات التي يمكن استخراجها. الجين هو قالب جسم الإنسان، ولكن تنتج الجينات الحمض النووي الريبي، الذي ينتج بدوره البروتينات والأيض والدهون، وهنا تكمن بدايتنا.»

تُخطط شركة بيرغ لإطلاق فحص تشخيصي لسرطان البروستات في عام 2017 بالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية، التي أتاحت مئات الآلاف من عينات الأنسجة لموظفيها. يقول ناراين: «سرطان البروستات أحد أكبر المشاكل في الجيش وأرادوا منا أن نبتكر فحصًا تشخيصيًا أفضل من المتاح حاليًا، ‘مُستضد البروستات المُحدد‘ «PSA» الذي ليس جيدًا جدًا. اكتشفنا أربع مؤشرات بيولوجية هي ليست أفضل من ‘مستضد البروستات المحدد‘ فقط، وإنما يمكنها فصل النماذج الأكثر قوة مما يُمكِّنُنا من معرفة ما إذا كان المرضى يحتاجون لعملية جراحية أم لا. حيث لم تكن هنالك مؤشراتٌ عن ذلك.» كان هناك تعاون مع كلية الطب في جامعة هارفرد على مشروع البقاء «Project Survival» لاكتشاف العلامات البيولوجية الأولى لسرطان البنكرياس، التي لا يتم اكتشافها عادة حتى يصل المرض إلى مراحل متقدمة جدًا. بالطبع، لا يوجد في نهج بيرغ؛ ما يسميه ناراين ‘البيولوجيا الإستفهامية‘، محصورٌ بالسرطان. إذ تدرس الشركة أنسجة المرضى المصابين بالشلل الرعاش منذ 2013، والزهايمر منذ 2014.

تُجري بيرغ تجربتها السريرية المسماة «BPM 31510» مع نفس نهج البيانات الذي اتبعته. تقوم بجمع البول، الدم والبلازما من المرضى في كل دورة ضخ للدواء، التي تحدث بانتظام في فترة 60 يومًا. بالمقابل يتم تحليل هذه العينات بعدها بواسطة 12 روبوت من المطيافات الكُتلية: خمسة للبروتينات، خمسة للنواتج الأيضية، وإثنين للدهنيات. يقول مايكل كيبيش «Michael Kiebish»، نائب رئيس الأنظمة الطبية في بيرغ: «أستطيع ان أقول لك ماذا تناولت على العشاء قبل عشرة أيام، لأنه مازال في دهون جسمك. نحن نلتقط اشياءً لم تُكتشف من قبل. كانت مناطق لم تُكشف حقًا. سنجد أشياءً لم يربطها أحدٌ من قبل بالمرض لأننا نقوم بقياسها للمرة الأولى. هناك مساحة واسعة مفتوحة للبيانات الصحية، لأن مُعظم الناس في الوقت الحالي يُركزون على الجينات. أما نحن فنتجه أبعد من ذلك.»

يوافق ليوناردو رودريغز «Leonardo Rodrigues»، المدير المساعد للتحليلات المُتقدمة في بيرغ على ذلك بقوله: «الجين مُهم، ولكنه يعطينا صورة ثابتة عما يحدث لنا. إنه أشبه بمحاولة معرفة ما إذا كان المطعم جيدًا عبر النظر فقط في الوصفات التي يقدمونها. هناك الكثير من الامور أبعد من الجين، يمكننا التقاطُ أحداث ‘السبب والتأثير‘ تلك لنحصُل على صورةٍ ديناميكيةٍ لما يجري. والتي تؤدي إلى علاجاتٍ ومؤشراتٍ حيويةٍ أفضل.»

في كل مرة يجمع الفريق عيناتٍ من المرضى، يقيسون الورم بمسوحات CAT وPET. يقيسون ايضًا تركيز العلاج في بلازما المريض ويتتبعون الكيفية التي يتم بها تناول الطعام والنوم. يقول ناراين: «من  المحتمل أننا أول من أجرى هذا العلاج ووافقت عليه إدارة الغذاء والدواء الامريكية.»

التجربة الحالية لديها أكثر من 100 مشارك من مركز كورنيل ويل Cornell Weill الطبي في نيويورك، جامعة تكساس مركز أندرسون للسرطان ومؤسسة بالو التو الطبية. على الرغم من أنها لا تزال في مراحلها التجريبية، إلا أن النتائج الاولية مشجعة، وتشير إلى أن العلاج فعَّال في علاج أورام التمثيل الغذائي الصلبة للغاية في الأشخاص المريضين جدًا مع أعراض جانبية أقل. يقول ناراين: «نحن نرى انخفاضًا في أحجام الورم ونرى المرضى يشعرون بالحيوية ويؤدون أفضل بكثير. إننا حتى نرى الأورام تختفي في المرحلة الأولى من التجربة، وهو أمر نادر لهذا النوع من المرضى.»

المصدر: هنا

عن Ahmed Alsarrai

طالب في كُلية الهندسة قسم النفط جامعة البصرة، مُهتم باللُغـات والترجمة.

شاهد أيضاً

فوسفات الكلوروكين قد تساعد في علاج فايروس كورونا

تجارب سريرية تجرى لتحديد عقاقير فعالة لعلاج فايروس كورونا الجديد .   ترجمة : سهاد …

السجائر الالكترونية تؤثر على الأوعية الدموية حتى بدون النيكوتين

ترجمة: حيدر هاشم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   ربما تكون السجائر …