الرئيسية / علوم تطبيقية / الجنون والعبقريّة: عالمة الكونيات جينا ليڤين تبحث في الطاقة المحفّزة للهوس، من نيوتن إلى آينشتاين

الجنون والعبقريّة: عالمة الكونيات جينا ليڤين تبحث في الطاقة المحفّزة للهوس، من نيوتن إلى آينشتاين

التعريف العام للجنون: هو إعادة السلوك والأفعال السابقة، والتي عادت بنتائج مخيّبة مِـرارًا والتوقُّـع منها بأن تعود بنتائج مختلفة في كلِ مرّة. العالم فرويد وضع مبدأ «التكرار القهري» في هذا المجال، – (مبدأه هو الحنين إلى الأشياء والأفعال السابقة التي اعتدناها)، اتّفق معه وأذهب إلى أكثر من ذلك، فأنا مؤمنة بانّنا نعيد الأنماط التي نقوم بها ليس بسبب عمى قهري بل لأنّنا هكذا نتطوّر وهكذا ينشأ التطوّر وحتّى في المنطلق العلمي فإنّ الإعادة هي القوّة الرئيسيّة الأولى لذلك. تتطوّر الأحياء من خلال إعادات غير محدودة لتأتي بتغيير دقيق وضئيل، وفي كلّ مرّة يحدث ما يُدعى بـ (التكيُّـف لذلك التغيير) لجعله مؤهّلًا للإستمرار، حيث أنّ الإيحاءات المكرّرة المؤدّية للإستمرار في التطوّر والتي تصيب الكائن على مرور الزمن هي ما تجعله يبدو بعد ذلك كائنًا مختلفًا.

بما أنّ طبيعتنا البايولوجية والسايكولوجية متناغمة ومتداخلة، فهذا أيضًا كان سببًا في تطوّر وعينا وفهمنا لمعاني الأشياء حولنا. تاريخ الإبتكار يعرض الكثير من الوصايا وكثير من العباقرة ممّن نحتفل اليوم بهم والذين غيّروا مفاهيم العالم وتجربتنا في الحياة أمست مختلفة لوجودهم، خضعوا لتعريف ديفيد فوستر والاس للبطولة الحقيقية “David Foster Wallace’s definition of true heroism” – «دقائق وساعات وأسابيع، سنة بعد سنة من العمل الهادئ والدقيق والحكيم بنزاهة وعناية ولا يوجد من يدعم ويشجّع هذا الشخص.». ماري كوري “Marie Curie” التي كانت تعمل كثيرًا في مختبرها حتى تعرّضت للإصابة بنسبةٍ كبيرة من الإشعاعات ولم ينفعها الفوز بجائزتي نوبل. عالمة الفلك ماريا ميتشل “Maria Mitchell” التي أصبحت «مريضةً بالإعياء» بسبب تحديقها المستمر طوال اللّيل في الفضاء بإستخدام تيليسكوبها ذي البوصتين لِـليالٍ عديدة. توماس أديسون “Thomas Edison” الذي جرّب العديد من المواد بُـغية إنتقاء ما يتناسب منها وصنع مصباحه وكان يقول: «أنا لم افشل، أنا وجدتُ عشرة آلاف طريقة لا تعمل.» وبعدها تمَّ صنع الضوء!

«يحتاج الفنّان إلى مقدار معيّن من الإضطراب والتشويش،» يقول جوني ميتشل “Joni Mitchell” في (تأمُّـل الجنون والعقل المُـبدع). ولكن، ربّما قد يكون هذا الإضطراب في عقل العبقري هو بالضبط ما يؤدّي إلى وهم الجنون من الخارج و الطاقة الخلّاقة والإبداع من الداخل.
إنّ العلاقة ما بين الجنون والعبقريّة هو ما بحثته عالمة الكونيات النظريّة والفيزياء الفلكيّة جينا ليڤين “Janna Levin” في جزءٍ من كتابها المُـعنون (كيف حصل الكون على مركزيّته: يوميات وقت محدود في الفضاء المحدود) “How the Universe Got Its Spots: Diary of a Finite Time in a Finite Space” – وهو كتاب رائع يستحقّ القراءة، وكذلك دقيقٌ جدًّا ومتناغم. بالتزامن مع ما كتبته في (التريفيكتا في ما يصنع الكتابة العلميّة العظيمة) “The trifecta of what makes great science writing”.

ليڤين، والتي تعتقد أنّ إعجابها بجنون علماء الرياضيات مرضي وغير مؤذي وتتسائل فيما إذا كان هذا الجنون قد يؤدّي إلى مخاطر مهنية وتقول: «الجنون والسخط والهوس والرياضيات والموضوعية والحقيقة والعلم والفن. هؤلاء الأصدقاء دائمًا يدهشونني………..»
عند النظر تاريخيًّا إلى بعض أصحاب الهوس العلمي يتّضح أنّ الكثير من الأذكياء المعروفين كان لديهم نوع من الهوس، وهي تقول مليًّا:
’’البعض من الناس الأذكياء جدًّا كانوا مصابين بإضطراب الوسواس القهري. أنا لا أعتقد بأنّ الجنون هو أمّا أن يكون ضرورةً أو ضمانًا للتألّق والذكاء. ولكن أعتقد أن قصصًا من هذا النوع تكون ممتعة أكثر من قصص الأبطال المألوفة لدينا. وإنّي أرى أنّ نقاط ضعفهم تكون مؤثّرةً أكثر.‘‘.

نيوتن لم يكن يمتلك هذا الهوس، ولكن صلابة قوّته العقلية كانت محل تساؤلات كثيرة خاصّةً في سنينه الأخيرة، لقد كان نيوتن كيميائيًّا في سرّه، إعتاد أن ينقل بعض الأدوات خفيةً إلى غرفته في جامعة كامبردج ومنها أدوات غريبة استخدمها في النظر إلى الشمس عن طريق وضع ما يشبه الخنجر الصغير في عينه.

وُصفَـت وعكاته العقلية بجنون العظمة وبالإكتئاب وقال آخرون بأنّه مجنون لأنّه كان يتناول الزئبق وموادًّا كيميائية أخرى (من المعتقد أنّها أصابته في قوّته العقلية) أثناء محاولاته في أن يصبح كيميائيًّا، توجد بعض الشكوك حول أن يكون ما مرّ به نتيجة المحاكمات لتحوّله إلى مِـثلي الجنس قد سبّبت له مشاكل نفسيّة وهذا أغلب الظن. كان لتلك الأزمات تأثير على نتاجه العلمي والفنّي، وقد كان نيوتن على حقٍ في كثير من الأمور والتي يبدو أنّه لم يُـنصَف فيها فيما بعد. من الأمور التي كان محقًّا فيها هو إقتراحه بــ (أنّ جميع القوانين تُـطبَّق بشكلٍ متساوٍ إذا كانت الأجسام تتحرّك نسبةً إلى إحداثي معيّن بدون وجود قوة خارجيّة مؤثّرة). والتي كانت الحجر الأساس للنظريّة النسبية التي وضعها آينشتاين.

تعتقد ليڤين أن آينشتاين أكثر ما يتناسب ووصف وجهة نظرها الرائعة في العلاقة بين الجنون والعبقريّة، وكتبت عن معاناته في إيجاد المعادلة العامة للنسبيّة والتي تعتبر نظريّة ريادية:
’’حيث كان مجهَّـزًا بمعدّات رياضية بسيطة، ولكنّه استطاع أن يخترق السطح ويرى من خلال الثقوب الضيقة، حيث قام أوّلًا بتعريف (علم الهندسة الرياضية) وأدرك بعد ذلك أنّه غير مجهَّـز بما يكفي ليخوض في هذا المجال.

آينشتاين كالذي صنع مخلوقًا لا يمكنه التحكُّـم به؛ فقد خلق نظريّة رياضياتية في نسيج الزمكان (الزمان والمكان)، والتي تتطلّب الإنتباه إلى يومنا هذا، مع أنّه كان يستخدم ما لديه بطريقةٍ غير مصقولة متميِّـزًا بذلك على زملائه الرياضياتيين، ألم يكن ذلك عظيمًا بحق؟ أنا أجده كذلك! هشاشته وجرأته المتميّزة في مواجهة كلّ ما كان يعيقه؛ وتجاوزه لكلّ ما كان ينقصه، وربّما هذا ما كان يعنيه حين قال: «الخيال أكثر أهميّةً من المعرفة.» كالسمكري السيء الذي كان يخرّب ويصلح ما خرّبه؛ كان يصحّح أخطاءه، خطأً بعد خطأ باسلوبه الخاص. تخبَّـط بين اليأس والشكّ والقناعة وبعدها جاء بكل ما قدّمه من إبداع ما يزال مدهشًا إلى الآن. يُـقال أنّه خاض في ظلامٍ من الإرتباك قبل أن يُـظهر إكتشافه المتعلّق بالجاذبية وما اعتمد عليها فيه من معادلاته المتعلّقة بالزمكان ومبدأ النسبية، يذكّرني في ذلك بمايكل انجلو “Michelangelo”.‘‘

خرج من هوسه المتكرّر والقريب من الجنون بما نختبره اليوم من القفزات المتقدّمة الذي جاء به من منبع إلهامه. بطريقةٍ ما، ورغم ما يبدو على عقول العباقرة من تشويش إلّا أنّها ترى بوضوح أكثر مما نستطيع.
ترى ليڤين أن جذور قوّة الرؤية لآينشتاين تعتمد على إدراكه، حيث تقول:
’’نحن نعيش في الضباب الذي استطاع هو أن يرى من خلاله واتبع حدسه كمنارة. فمع أنّه كان يشكّك بحساباته، إلّا أنّه كان واثقًا ممّا يؤمن به.
تُـرى هل كانت تلك المعرفه في عقله؟ وهل هي في عقلي وعقولكم؟ هل ستدخل العقول؟ وهل أسرار الطبيعة العظيمة مشفَّـرة بداخلنا؟ أتصوّر ذلك وأتمنّاه أيضًا.

(كيف حصل الكون على مركزيّته) “How The Universe Got Its Spots” هو كتاب رائع في المُـجمل، ويعتمد على السؤال السرمدي فيما إذا كان الكون مطلقًا (غير محدود) أو لا، وكيف نعرف الآن ما نعرف عن الفضاء والوقت وما نطلق عليه ب (الواقع) وتكملة هذا الجزء المتعلّق بالعلاقة بين العبقرية والمرض العقلي وكذلك يناقش عقلية آينشتاين وما حازه من عمله.

المصـدر:-

Brain Pickings

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

وقود يخزن الطاقة الشمسية لمدة 18 سنة

كتبه لموقع “ساينس أليرت”: كارلي كاسيلا نُشر بتاريخ: 6/11/2018 ترجمة: بان علي مراجعة وتدقيق: عقيل …

فرانكنشتاين: التجارب الحقيقية التي ألهمت الخيال العلمي

كتبه لموقع “ذي كونفرزيشن”: ايوان موروس نشر بتاريخ: 26/10/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى مراجعة وتدقيق : …