الرئيسية / فكر وفلسفة / المرء يُعرف من خلال عمله

المرء يُعرف من خلال عمله

مقال للفيلسوف البريطاني A.C. Grayling

لو سُأل أحد ما عن شرط أساسي لعالَم جيّد، فإنه سيكون السلام والحرية للجميع، حيث تعني “الحرية” الاستقلال الشخصي والتحرر العقلي عن التحيّز والخرافات والجهل والخوف والاحكام المُسبقة.

 

المتشائمون بالنسبة للتقدم العالمي يعتبرون أن الامر لا يعدو كونه طعم السكر في الفم “الذي يزول سريعاً” وأن الامر بعيد المنال، ويرى المتشائمون ايضاً أن الافضل هو إستخدام العصا في العالم الحقيقي حيث غالبية الناس محاصرون في السجون الاقتصادية والفكرية القادمة من بطون التاريخ والتي يديمها ويُروج لها الديماغوجيين1 والجشعين أصحاب السعي نحو القوة المطلقة. المتشائمين على حق بالطبع، لكن هذا لا يعني أن نتغاضى عن المطالبة والاستسلام، هناك شيء واحد يمكن القيام به للرد على المتشائمين، إنها المشاركة في المعركة الكامنة وراء ذلك كله، المعركة التي حدد معالمها فولتير قائلاً: إنها معركة بين من يسعون للحقيقة وبين من يدعون امتلاكهم المطلق لها.

على أحد جوانب المعركة  وخنادقها هم اولئك الذين يتسائلون ويستفسرون ويقومون بالتجارب والبحث واقتراح الافكار واخضاعها للفحص، اولئك الذين يسعون إلى تغيير عقولهم عندما يكونوا مخطئين ويعيشون حالة من عدم اليقين واللاتأكد، اولئك الذين يعتمدون على الجماعية وروحية الفريق ويمارسون النقد الذاتي، أولئك الذين لديهم مسؤولية دقيقة وشديدة لإستخدام المنطق والملاحظة والسعي الدائم لتعزيز المعرفة.

وفي الخندق الاخر اولئك الذين يعتنقون نظام من المعتقدات والايديولوجيات الاجوبة جاهزة و”محزومة في حقائب”، اولئك الذين يصدقون بسلطات الكهنة ورجال الدين بصورة مطلقة. اولئك الذين يعتقدون أن كيفية واسباب الكون مشروحة بشكل لا لبس فيه من قبل إيمانهم الديني، اولئك المتعجرفون الذين يقبلون بالجهل حاكماً عليهم.

نلاحظ أن الغالبية العظمى تاريخياً  من اصحاب المعتقدات الجاهزة هم من اتباع ديانة ما، لكنها تشمل ايضاً اولئك الذين يتبعون ايديولوجيات شمولية كالماركسية والستالينية الذين يمتلكون الحقيقة الكبرى عن توزيع الملكية المتساوي، والذي على الجميع تحمل الالم والعقوبات في سبيلها والتي يسعى المتعصبون لتنفيذها من خلال استعدادهم للموت من اجلها.

في اعقاب الاصلاح  الديني في القرن السادس عشر اسس اغناطيوس ليولولا2 نظام اليسوعية كجيش للدفاع ضد الهجوم على الكنيسة التي تمثّل الاتجاه الواحد الصحيح. حيث رأى اليسوعيون أن الاصلاحيين قد تعلموا والخبرة بدأت تميل لصالحهم. بدأت سبل الاصلاح من خلال ترجمة الكتاب المقدس إلى اللهجات العامية وتشجيع الناس العاديين على قرائتها، وعندما تعمّق الناس العاديين في القراءة رأوا أن مذاهب وممارسات الكنيسة الرومانية هي عبارة عن”جبل من القمامة”.

اليسوعيون كونوا جيشاً من الدعاة الجدليين وهي خطوة ذكية حيث استخدموا الدعاة الماهرين في الخطابة والجدل وتم تدريبهم لمواجهة اتهامات الاصلاحيين، إنهم لم يكونوا يهتمون بالحقيقة ولكن للترويج للنسخة الكاثوليكية المسيحية.

يُقال أن الجهلة محكومون بتكرار التاريخ. ولكن الصحيح ايضاً أن اولئك الذين يعرفون التاريخ يمكن أن يكرروه عن قصد. على سبيل المثال في الولايات المتحدة إتخذ انصار التصميم الذكي والخلق نفس نهج لويولا حيث قاموا بتدريب جيل جديد من المدافعين عن الايمان المسيحي، حيث الايمان يهاجم العلم.

بنظرة بسيطة إلى اسئلة الامتحان التي وضعها الخلقي وليام ديمبسكي حول التصميم الذكي والمسيحية ذات الطابع التبريري في كنيسة اللاهوت المعمدانية، والاسئلة مصاغة بصورتها النهائية كالتالي:

1- لو كنت ضيفا ًعلى العرض الاول من برنامج أصل كل الشرور لرتشارد دوكنز وكان دوكنز على المنصة معك، بعد عرض البرنامج يتطلب منك تقديم رد وجيز، حيث يؤكد ريتشارد دوكنز على نظرية النشوء والارتقاء التي تؤكدها أدلة دامغة بينما المعتقد الديني هو سبيل العُمى الذي هو عبارة عن ايمان الجهلة. تحداه بواسطة الرد في عدة نقاط: قضاء نصف الوقت في تبيان أن التطور ليس بالاهمية التي يوليها دوكنز ثم تشير إلى ما يتعلق بالايمان المسيحي وأن المعتقد الديني يمتلك الاثباتية ثم تشير على سبيل المثال إلى الامور المؤيدة لحدوث القيامة “اي قيامة المسيح من الموت” وموثوقية الكتاب المقدس.

2-أن تكون الشاهد الخبير في قضية دوفر”محاكمة تمت في بلدة دوفر لتدريس التطور مقابل الخلقية” وكان قد طلب منك تلخيصاً لسبب اعتقادك لماذا تعتبر التصميم الذكي نظرية علمية تماماً، القيام بذلك يتطلب رسم طريقة لكشف التصميم وكيف يمكن ان تنطبق النظم البيولوجية مع التصميم الذكي.

3-تعتبر باربرا فورست وبول غروست التصميم الذكي كجزء من مؤامرة يمينية واسعة لتقويض مؤسساتنا الديمقراطية عن طريق استبدال النظريات العلمية بالعقيدة الدينية ووفقا لذلك فانهم يرون ان التصميم الذكي هو جزء من استراتيجية دق اسفين لذلك لذا يجب ان تبرهن العكس من ذلك.

4-لو تم تعيينك لإعطاء ست محاضرات ايام الاحد في ست اسابيع على التوالي وإن مدة كل درس ساعة وربع الساعة نود توضيحك كيف ستجري الدروس؟ وماذا تنصح الناس ان يقرأوا؟ ما كنت تنوي تقديمه؟ ماذا تريد من المشاركين في نهاية الايام الستة؟ يُظهر ذلك أن اهداف التدريب في هذه المدرسة هي انتاج مشاة لحرب دينية ضد العلم والعقل الدليل على ذلك هو كلمة ديمبسكي إذ يقول في نفس اسئلة الامتحان التي وضعها:

لو كنت المدير الجديد لمؤسسة تمبلتون 3 وتم تكليفك للاشراف على برامجها وتوجيه اموالها. وكنت سترسم خطتها للعشرين سنة القادمة لهزيمة المادية العلمية والنظرة التطورية من خلال مبلغ مالي قدره 50 مليون دولار في السنة ما انواع البرامج التي ستقيمها؟ وكيف يمكنك ان ان تنفق المال؟

بصرف النظر عن اهتمامات مؤسسة تمبلتون والتي وجدت للحفاظ على الدين من خلال خلطه مع العلم، فإن هذا يوضح الغرض من “التعليم” الذي مارسونه في كلية الجنوب الغربي المعمدانية.

عندما تترسخ العقيدة في أي نوع من الايمان فإن ابواب الاهوال ستفتح، من المسلمين الذين يقتلون المسيحيين في غوجرا الى النساء اللاتي يتعرضن للجلد بسبب ارتداء البنطلون في السودان إلى التفجيرات التي يقوم بها السنة على الشيعة في العراق4، لذا فإن الثيوقراطية القمعية والسياسات الاجتماعية الرجعية والتحيز ضد المراة والمثليين والهولوكوست ضد اليهود او ذبح الكولاك، او تجويع الملايين نتيجة الحلول الزائفة الايديولوجية والمجتمعات المفصولة بالجدران بين اسرائيل وفلسطين يبدو ان لا نهاية لها.

لقد سمعت أحدهم يقول “المرء يُعرف من خلال عمله” انها صحيحة في الواقع، فعندما تُزيل ورقة التوت عن بعض الاعمال الخيرية -رغم انني غير متحمس لفعل ذلك-سترى الدوافع لذلك بصورة أفضل.

على النقيض من ذلك سترى المضادات الحيوية والجراحة والتلفزيون والإضاءة والتدفئة والسفر الجوي، إنها دعاوى لا نهاية لها. ومرة اخرى نقول من ثمارهم سنعرفهم، لا أجرؤ على اشاعة أن العلم ينتج القنابل الذرية وغاز الخردل كما لو أن ذكرها يبرر الفظائع التي ارتكبها الايمان على اجساد وعقول الجموع لهذه التطبيقات من العلم. إن هذه التطبيقات من العلم جاءت نتيجة للقرارات السياسية والايديولوجية حول كيفية استخدام نتائج العلوم . لا تبدا الحروب عبر نظريات مختلفة من تثبيت النتروجين او أن الثقوب السوداء تكمن في قلب المجرات. بل أن رجال الدين ارتكبوا العديد من جرائم القتل على كلمة “و” في صيغة “الأب والابن” لو كنت تبحث فعلاً عن درس من الجنون، اذهب لمعرفة السبب من ذلك!

لتلخيص كل ذلك: المعركة من اجل السلام والحرية هي معركة حول العقليات. خطوط المعركة واضحة والمقاتلة ستكون على جبهات عديدة: ضد المدارس الدينية، ضد الامتيازات المغرورة التي تمنح لجماعات الضغط الدينية في المجتمع، ضد الجهل في الراي العام.

سيكون من السهل أن تتخذ الخطوة التالية لإظهار ان العقلية التي تختبر الحقائق ستُضعف من الصروح القديمة ومن المرجح ان تجعل العالم اكثر عدلاً من الناحية الاقتصادية ومن ناحية علاقات القوة والسلطة ايضاً. لكن لندع النقاش الان لوقت لاحق.

 

١- الديماغوجية هي قدرة على كسب تعضيد الناس ونصرتهم عن طريق استثارة عواطفهم واللعب بأحاسيسهم ومشاعرهم وليس عن طريق الحوار العقلاني معهم.

 

٢- اغناطيوس لويولا: كاهن محلي من الباسك أسس جمعية اليسوعيين في عام 1556م، كافح عملية الاصلاح الديني من خلال إظهار الطاعة المطلقة للبابا.

 

٣- إشارة للحرب الطائفية الجارية الآن.

 

٤- مؤسسة تمبلتون: هي مؤسسة علمية-دينية تهدف إلى الجمع بين العلم والدين وتسعى من خلال ابحاثها العلمية دعم البحوث حول مواضيع تتراوح من التعقيد والتطور والتسامح والمحبة و الإرادة الحرة. تشجع الحوار بين العلماء والفلاسفة و اللاهوتيين وبين هؤلاء الخبراء والجمهور بوجه عام.

 

المصدر: هنا

 

عن Mustafa Shahbaz

مهندس مدني ومترجم، مهتم بتحسين المحتوى العربي على شبكة الانترنيت.

شاهد أيضاً

الإرادة الحرة.. حقيقة أم أسطورة ليبرالية؟

ترجمة: آمنة الصوفي تصميم الصورة: أحمد الوائلي في عام 2016 هيمنت على العالم مفاهيم الليبرالية …

جوردان بيترسون وقصة برج بابل

كتبه لموقع “ناشونال كاثوليك ريجيستر”: كريستوفر كاكزور* نشر بتاريخ: 12/9/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: أمير …