الرئيسية / فكر وفلسفة / تغيير النموذج العلمي (النقلة النوعية)

تغيير النموذج العلمي (النقلة النوعية)

————————–
ترجمة: أثير العطار
مُراجعة: علي أدهم
————————–

تغيير النموذج الذي اقتُرِح بواسطة توماس كون (Thomas Kuhn) ليس مجرد تغييرٍ طفيفٍ في العلم أو تحديثٍ لنظرية، بل هو ثورةٌ علمية وتغييرٌ كامل للطريقة التي ينظر بها العلم إلى العالم. وغالبا ما يُحدد الطريقة التي ينظر بها العامة إلى العالم.

 

على سبيل المثال، شُكِّك في نظريات دارون بشكل كبير من قبل العلماء واللاهوتيين، وهذا الشك انتشر إلى الرأي العام وأصبحت الصحفُ مليئةً برسوم الكارتون والكاريكاتير عنها.

 

غالباً ما يكون تغيير النموذج نتيجة لعلماء يعملون على حافة أو حدود النموذج الفكري، ويؤدّون بحثاً يعتقد بقية أقرانهم أنه لن يقودهم إلى شيءٍ؛ أو ذو نهاية ميتة. في أغلب الحالات، تكون هذه النظرة صحيحة، ولكن كثيراً ما يكون لدى أحد العلماء كشفٌ جديد.

 

على أية حال، بينما يحاول عددٌ آخر من العلماء البحث وتضيع آراءهم في زحمة الآراء، ولكنها بالتأكيد سوف تقود إلى طريقةٍ جديدةٍ في التفكير، حتى لو كان التغيير بصورة بطيئة.

 

على سبيل المثال، أخذت اكتشافات فابينبوم (Feigenbaum) في نظرية «الفوضى» وقتاً طويلاً لتترسخ، حيث هُمّشت أفكاره لوقوعها خارج النموذج الفيزيائي المعتاد آنذاك. وواجه مُنظِّرو «الفوضى» الأوائل صعوباتٍ في الحصول على التمويل؛ وإيجاد مشرفين ودورياتٍ مستعدة لنشر أبحاثهم.

 

تعريف كون (Kuhn) للنموذج يُعَدّ أكثر من كونه نظرية؛ على الرغم من أن المصطلحات تُستعمل بصورة متبادلة. إنه نظرة كاملة وشاملة لظاهرة معينة؛ غالبا ما تعتمد على بعض المبادئ الرئيسية.

 

هذه العملية بقيت لوقتٍ طويل، حتى بدأت بعض التجارب بكشف بعض الأخطاء. ولكن من الممكن قبول مقدارٍ معينٍ من الأخطاء، أو أن تُحتَوَى بواسطة تغييرٍ طفيف في النموذج.

 

ومع ذلك، ففي النهاية قد يُثبَت احتواء المباديء الأساسية والرئيسية على بعض الأخطاء، وحينذاك يجب أن يحصل تغيير للنموذج، كطريقة للنظر إلى نفس المعلومات ولكن بمنظار مختلفٍ تماماً.

 

 

ربما أفضل طريقة أن نأخذ مثالاً على تغير النموذج، باستعمال نظرية (بطليموس).

اعتقد بطليموس والإغريق القدماء أن الارض هي مركز الكون؛ والشمس وبقية الكواكب تدور حولها. ولكن لسوء الحظ، لم تتفق الملاحظات التجريبية مع وجهة نظره. فبعض الكواكب، عندما قِيسَت أماكنها؛ اتضح أنها تتحرك إلى الخلف حركة تراجعية بالنسبة إلى كواكب أخرى.

 

وكان الجواب، المفتَرَض بواسطة (بطليموس)، أن الكواكب تتحرك في «فلك تدوير» أو دوائر؛ هي بدورها جزءٌ من دوائر أكبر.

وظهرت المشكلة بهذا الرأي حينما حصل بطليموس ومراقبون آخرون على ملاحظات دقيقة، مما يعني دوائر أكثر يجب أن تضاف إلى الدوائر الحالية. وبقيت هذه النظرية حتى مجيء (كوبرنيكوس)؛ الذي قال أن الشمس هي مركز النظام الشمسي، والتي اعتُبِرَت أنها مركز الكون في ذلك الوقت.

 

كان هذا نموذجاً على العلوم الهامشية التي بدأت ببناء الدليل ضد النموذج العلمي الحالي. لم يجد (كوبرنيكوس) الجواب كاملاً، لأن نموذجه كان لا يزال يحتاج إلى «أفلاك التدوير»، ولم يكن لديه شك بأن المدارات كانت بيضوية وليست دوائر تامة.

ومع ذلك، فإن صيغ (كوبرنيكوس) الرياضية ونظرياته كانت أوضح، وبَيّن (موس أوكام – (Occam’s razor المسار الأسهل ((تابع الحلقة القادمة)). ومع مجيء (غاليلو) والتلسكوب، فشل النموذج؛ وبدأ نموذجٌ آخر بقياسات دقيقة بالظهور.

 

أُزِيحَ النموذج، وكانت المقاومة الوحيدة من الكنيسة في ذلك الوقت. وأتت بعدها أفكار (نيوتن) التي عملت بنماذج جديدة.

وكثيراً ما كان يُشار إلى (بطليموس) سيء الحظ كمثال للعلم السئ وعدم العقلانية، ولكن هذا ليس عدلاً ويُعتبر مثالاً للمغالطة، فباستعمال المعدات التي امتلكها في ذلك الوقت؛ والصيغ الرياضية المحدودة؛ وعدم توفر التيليسكوب؛ كان لابد من حدوث خطأ في نظريته.

 

كانت قياساته دقيقة بشكلٍ كبيرٍ، واستُعملت في زمن (كوبرنيكوس) لقياس حركة الكواكب. وكان مبدأه الدقيق والصارم خالياً من الأخطاء، كما كان عالماً تجريبياً كبيراً. وقد أظهر كوبرنيكوس وغاليلو ونيوتن الكثير من الاحترام له، لذلك يجب أن يكون العالم الحديث حذراً من أن يحكم على بطليموس بقسوة.

 

لسوء الحظ، هذه إحدى مساوئ تغيير النموذج، عندما يؤدي عالماً ما عملاً جيداً من خلال نموذجٍ معين، ثم يتغير النموذج؛ يتم احتقاره. إن جزءاً كبيراً من المشكلة اليوم يمكن في أن العلماء يتمسكون بنظرياتهم، ويزدادون عناداً، ويُظهرون علامات الانحياز التأكيدي. وهذا سيعرضهم للاحتقار على مر التاريخ، وسوف يُحكم عليهم بهذا فقط؛ بدلا من أن يُحكم عليهم من خلال إنجازاتهم.

المصدر: هنا

عن Atheer Al Attar

مهندس عراقي، حاصل على ماجستير في هندسة النفط من جامعة ولاية لويزيانا..حلمي انشاء نواد علمية وتدريس البرمجة للأطفال..لاسبيل لنا الا العلم..

شاهد أيضاً

الإرادة الحرة.. حقيقة أم أسطورة ليبرالية؟

ترجمة: آمنة الصوفي تصميم الصورة: أحمد الوائلي في عام 2016 هيمنت على العالم مفاهيم الليبرالية …

جوردان بيترسون وقصة برج بابل

كتبه لموقع “ناشونال كاثوليك ريجيستر”: كريستوفر كاكزور* نشر بتاريخ: 12/9/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: أمير …