الرئيسية / طب / كيف يمكن للمخاوف من التقنيات الطبية الحديثة أن تتلاشى؟ أطفال الانابيب أنموذجا

كيف يمكن للمخاوف من التقنيات الطبية الحديثة أن تتلاشى؟ أطفال الانابيب أنموذجا

كتبه لمجلة The Conversation: باتريشا ستابلتون

ترجمة: سوسن محرز

تدقيق: عمر أكرم المهدي

تصميم الصورة: اسماء عبد محمد

 

تصدَّر خبر “أول طفل أنبوب” حديث الصحف حول العالم عام 1978 مثيراً ضجة بالغة حول أخلاقيات الأبحاث الخاصة بالأجنة البشرية والتكنولوجيا المتعلقة بالإنجاب، وبات كل خرقٍ علمي منذ ذلك الحين يطرح السؤالَ ذاتَه حول “الطفل المُصمَّم” و “لعب دور الإله”، ومع ازدياد تقنيات الإخصاب المساعد تطوراً وفعالية غدا الرأي العام أكثر إذعاناً مما كان عليه بادئ الأمر.

مع تقدُّم العلوم، أصبح بمقدور الأطباء القيام بإجراءات أكثر تعقيداً بنسب نجاح أفضل من ذي قبل، وكان من شأن هذا التقدم أن يجعلَ الإخصاب في المختبر – أو الإخصاب في الأنابيب كما يسميه البعض – وتقنيات الإخصاب المساعد أمراً شائعاً نسبياً؛ إذ وُلِدَ ما يزيد عن مليون طفل باستخدام تقنية طفل الأنبوب في الولايات المتحدة وحدها منذ العام 1985، وقد تنامى تقبُّل الأميركيين لهذه التقنيات جنباً إلى جنب مع ازدياد استخدامها؛ إذ بتنا معتادين على فكرة تعديل الأطباء للأجنة.

بيد أنَّ التحديات الأخلاقية التي تفرضها هذه الإجراءات ما تزال قائمة بل وتزداد تعاظماً؛ ومع أنَّ تلك الأخبار التي نسمعها بين الآونة والأخرى، المتعلِّقة بإجراء تعديل جيني على أجنة بشرية ما تزال بعيدة عن التطبيق السريري، غير أنَّها تُقرِّبنا أكثر نحو تغيير الـ DNA الذي نورثه لسلالاتنا، وباستمرار تطوُّر العلم، ينبغي معالجة القضايا الأخلاقية قبل الخرق العلمي الكبير التالي.

 

ولادة حقبة طفل الأنبوب

ولدت لويز بروان – المعروفة بكونها أول “طفل أنبوب” – في المملكة المتحدة في الخامس والعشرين من تموز/يوليو من عام 1978. لقد كانت لويز أحد منتجات الإخصاب في المختبر، تلك العملية التي تُخصِّب فيها نطفةٌ بويضةً خارج جسم الأنثى قبل أن يُصار إلى زرعها في الرحم. منح الإخصاب في المختبر الوالدين العقيمين فرصة أن يكون لديهم أبناؤهم البيولوجيون، ومع ذلك فإنَّ عائلة براون كانت عرضة لرسائل كراهية بغيضة، وقد حذرت الجماعات المناهضة للإخصاب في المختبر من أنَّ أطفال الأنابيب سيُستَخدمون في تجارب لتحسين النسل تودي إلى مستقبل بائس سوف يغدو فيه جميع الأطفال معدَّلين جينياً.

اتخذت ردة فعل الرأي العام في الولايات المتحدة منحى آخر مقارنة بغيرها من الدول المتقدمة؛ فتاريخياً، في الولايات المتحدة، لطالما رُبطت الأبحاث على الأجنة بالجدل القائم حول الإجهاض، فقرار المحكمة العليا عام 1973 بجعل الإجهاض قانونياً في قضية (روي في ويد) قد أذكى معارضة الجماعات المناهضة للإجهاض التي كانت تعارض أيضاً الأبحاث على الأجنة البشرية.

تعطي الأبحاث الجنينية الأمل بالقضاء على أمراض فتّاكة، غير أنَّ العلماء يتخلصون من أجنة خلال هذه العملية، وتحت الضغط الذي شكلته تلك الجماعات المعارضة حول المقتضيات الأخلاقية لتخليق الأجنة والتخلُّص منها، أصدر الكونغرس عام 1974 قراراً بوقف اختياري للأبحاث المموّلة فيدرالياً على الأجنة والأنسجة الجنينية بما فيها الأبحاث حول الإخصاب في المختبر والعقم وتشخيص ما قبل الولادة، وحتى اليوم ما يزال التمويل الفيدرالي غير متاح لمثل هذا النوع من الأبحاث.

وعلى ضوء ذلك، لم يكن التعاطي الحاد لوسائل الإعلام ورد الفعل السلبي للجماعات المعارضة للإجهاض حول الإخصاب في المختبر يمثلان مجمل الرأي العام بدقة؛ فمعظم الأميركيين (60%) منهم كان مع الإخصاب في المختبر في استطلاع للرأي أجري في آب/أغسطس من عام 1978، وقد صرَّح 53% من هؤلاء بأنَّهم كانوا ليجربوا الإخصاب في المختبر لو كانوا غير قادرين على الإنجاب.

وهكذا فقد ساعدت التغطية الإعلامية المكثفة هذه بإطلاع الناس على هذا التطوُّر التقني، ولم يُثنِ وصم لويز بروان بـ “طفلة الأنبوب” والتحذيرات المتعلِّقة بالنتائج البائسة الأميركيين من تكوين رأي إيجابي حول الإخصاب في المختبر.

 

هل الأبحاث الجنينية مسألة أخلاقية؟

خلال الأربعين عاماً التي تلت استخدام الإخصاب في المختبر عند البشر، طوَّر العلماء عدة تقنيات جديدة ابتداءً بتجميد البويضات وانتهاءً بفحص الأجنة قبل إعادة زرعها في الرحم، وقد حسَّنت تلك التقنيات تجربة المريض وفرصَ حدوث الإنجاب بعد إجراء الإخصاب في المختبر، وقد أثار الإعلان عن كلٍّ من هذه الخروقات العلمية اهتمام وسائل الإعلام إلى التحديات الأخلاقية التي يفرضها هذا النوع من الأبحاث، إلَّا أنَّه لم يكن ثمة إجماع اجتماعي أو سياسي أو علمي حول ما ستؤول إليه الأمور.

بقي الرأي العام الأميركي حول تقنيات الإخصاب المساعد إيجابياً، ورغم جهود الجماعات المعارضة، تُظهر استطلاعات الرأي أنَّ الأميركيين باتوا يفصِلون بين الإجهاض والأبحاث الجنينية؛ إذ أظهر استطلاعٌ للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2013 أنَّ 12% فقط من الأميركيين يعتقدون شخصياً أنَّ استخدام الإخصاب في المختبر خطأ أخلاقياً، ويُعدُّ ذلك انخفاضاً حاداً من نسبة 28% من المستجيبين عام 1978 الذين أجابوا بأنَّ هذا الإجراء “غير طبيعي”. بالإضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع العام 2013 أنَّ ضعف النسبة من الأميركيين (46%) قالوا إنَّهم – شخصياً – لا يعدون أنَّ استخدام الإخصاب في المختبر هو قضية متعلقة بالأخلاق أصلاً مقارنة بـ 23% من الأميركيين قالوا بأنَّهم – شخصياً – لا يعدون الإجهاض أمراً متعلقاً بالأخلاق.

 

لمَ علينا أن نولي الاهتمام؟

على الرغم من أنَّ الأميركيين لا يعتقدون بأنَّ الأبحاث الجنينية والإجراءات الشبيهة بالإخصاب في المختبر قضايا متعلقة بالأخلاق أو خطأ أخلاقياً، فالحقيقة أنَّ إدخال تقنيات حديثة يتجاوز فهم الأميركيين حول وظيفتها أصلاً! إذ أظهرت استطلاعات للرأي في عامي 2007-2008 بأنَّ 17% فقط من المشاركين أفادوا بأنَّهم “على اطلاع جيد” على أبحاث الخلايا الجذعية وأنَّه كان ثمة “نقص نسبي في المعرفة المتعلِّقة بأبرز قضايا البحث الجنيني.” وعندما طُرحت على الأميركيين أسئلة أكثر دقة تُوضِّح آلية الإخصاب في المختبر، أظهروا دعماً أقل لإجراءات معينة مثل تجميد وحفظ البويضات أو استخدام الأجنة للبحث العلمي.

على ضوء التطوُّرات الأخيرة، تُظهر استطلاعات الرأي أنَّ 69% من الأميركيين لم يسبق لهم أن سمعوا أو قرؤوا الكثير أو عرفوا أيَّ شيء على الإطلاق عن التعديل الجيني، وإضافةً إلى ذلك، فإنَّ دعم التعديل الجيني يعتمد على كيفية استخدام هذه التقنية؛ فغالبية الأميركيين يتقبلون عموماً التعديل الجيني إن كان الهدف منه تحسين صحة الفرد أو إن كان سيحول دون أن يرث الطفل أمراضاً معينة.

استخدم العلماء في ولاية أوريغون تقنية التعديل الجيني التي سمحت لهم بتصحيح اضطراب جيني يسبب مرضاً قلبياً في أجنة بشرية، ومع أنَّ هذا النوع من التقدُّم يصبُّ في صالح كون جميع الأميركيين مؤيدين، بيد أنَّ التقنية المستخدمة لإجراء هذا التصحيح – المعروفة باسم CRISPR-Cas9 يمكن أن تُستَخدم لتعديل الجينات بطرق أخرى وليس فقط للقضاء على الأمراض، وهكذا فإنَّ نجاح فريق الأوريغون يفتح الباب أمام الكثير من الاحتمالات في مجال التعديل الجيني بما في ذلك التعديلات غير المتعلِّقة بالصحة مثل التغييرات في المظهر أو غير ذلك من السمات الفيزيائية.

حدث التقدم في تقنيات الإخصاب المساعد بسرعة كبيرة خلال العقود الأخيرة وقد نتج عنه ما يزيد عن خمسة ملايين طفل حول العالم، إلَّا أنَّه وبنفس القدر الذي باتت فيه هذه التقنيات شائعة؛ فإنَّ العلماء لم يُجمعوا حول كيفية الدمج بين CRISPR والتعديل الجيني والإخصاب في المختبر؛ إذ ثمة قلقٌ حيال تغيير جينوم الأجنة البشرية المُصمَّمة لتصبح أطفالاً وخاصةً أنَّ أيّ تعديلات مُحدَثَة سوف تنتقل إلى الأجيال المستقبلية، وقد أشارت اللجان العلمية إلى أنَّ القرارات حول إمكانية وكيفية استخدام التعديل الجيني يجب أن تُراجَع بانتظام.

علينا أن نصبَّ اهتمامنا على الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية التي بقيت لوقت طويل دون إجابة، وهذه الأسئلة هي: ما حدود مثل هذا النوع من الأبحاث؟ من يُقرِّر متى يكون استخدام  CRISPRأخلاقياً؟ ما المسؤولية التي نتحملها تجاه الأشخاص المتأثرين بأمراض جينية؟ من يدفع تكلفة هذه الإجراءات الطبية؟ كيف ستُنظَّم مثل هذه الأبحاث والاستخدام السريري المُحتمَل لها؟

برز نجاح استخدام تقنيات الإخصاب المساعد في العقد المنصرم جاعلاً الأميركيين مطمئنّين حيال بعض المخاوف الأخلاقية التي تثيرها هذه التقنيات. في الختام، لا بدَّ من أن ننخرط في هذه القضايا الآن، قبل أن يُصبح التعديل الجيني بنفس درجة شيوع الإخصاب في المختبر.

 

 

 

 

المصدر: هنا

 

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

فوسفات الكلوروكين قد تساعد في علاج فايروس كورونا

تجارب سريرية تجرى لتحديد عقاقير فعالة لعلاج فايروس كورونا الجديد .   ترجمة : سهاد …

السجائر الالكترونية تؤثر على الأوعية الدموية حتى بدون النيكوتين

ترجمة: حيدر هاشم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   ربما تكون السجائر …