الرئيسية / برمجة وذكاء إصطناعي / حياتنا قد تكون مجرد محاكاة حاسوبية

حياتنا قد تكون مجرد محاكاة حاسوبية

كتبه لموقع شبكة الإذاعة البريطانية: فيليب بول
بتاريخ: أيلول 2016
ترجمة: حسين حاتم الحافظ
تصميم: حسام زيدان

هل أنت حقيقي؟ وهل أنا ايضاً حقيقي؟ هذه الاسئلة كانت من اختصاص الفلاسفة في السابق. بينما يهتم العُلماء بطريقة سير العالم والأسباب القابعة خلفه. ولكن بعض من أفضل النظريات اليوم حول حقيقة العالم ايضاً جعلت الاجابة عن هذا السؤال من اختصاص العلم الحديث.
العديد من الفيزيائيين وعلماء الفيزياء الكونية والمختصين في التكنولوجيا اليوم يؤمنون بفكرة أننا نعيش داخل محاكاة حاسوبية عملاقة أو داخل تجربة مصفوفة الواقع الافتراضي ومن الخطأ الاعتقاد بأن حياتنا حقيقية. كل غرائزنا المتمردة، بالتأكيد نعتقد أنها واقعية جداً على أن تكون محاكاة. مثلاً وزن الكوب في يدي، الطعم الغني للقهوة الموجودة فيه، كل الاصوات التي حولنا كيف تكون كل هذه التجربة الغنية مزيفة؟ ولكن آخذين بالاعتبار التطور الكبير في أجهزة الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات في العقود القليلة الماضية. والتي مَكنتنا من إنشاء تقنيات العالم الافتراضي المتطورة والتي تتضمن شخصيات مستقلة تستجيب لخياراتنا في محاكاة الواقع الافتراضي بدرجة كبيرة من الاقناع.
أليست هذه المؤشرات كافية لتصيبك بالارتياب؟
في الفيلم الشهير الماتركس، وُضِحت هذه الفكرة بشكل لم يسبق من قبل. حيث يُحتجَز الانسان من قبل قوة شريرة داخل عالم افتراضي بحيث لا يشك ابداً أن حياته ليست حقيقية. لكن كوابيس قصص الخيال العلمي الاخرى في أن نكون محبوسين في كون غير موجود سوى في عقولنا، على سبيل المثال رواية Videodrome لدايفيد كرونينبيرغ (1981) وBrazil لتيري جيليام (1985). بعد هذه الرؤية اليائسة، يلوح في الافق سؤالين. كيف يمكن أن نعرف أننا نعيش داخل محاكاة وهل الامر مهم فعلاً بالنسبة لنا؟
أن لفكرة العيش داخل محاكاة العديد من المدافعين من ذوي المكانة المرموقة في المجتمع. مثلاً في حزيران 2016، أكد رجل الاعمال المستثمر في التكنولوجيا أيلون ماسك أن نسبة الخطأ واحد إلى مليار في فرضية عيشنا في واقع افتراضي وايضاً، كورو راي كورزويل الباحث في الذكاء الصناعي في غوغل قال ذات مرة بـ “أن كوننا بكامله قد يكون عبارة عن تجربة علمية لبعض طلاب الدراسات العليا المبتدئين في كون أخر”
كذلك، ناقش بعض الفيزيائيين هذه الاحتمالية. ففي نيسان 2016 ناقش عدد من العلماء الموضوع في متحف التاريخ الطبيعي الامريكي في نيويورك. لم يطرح أي من هؤلاء الباحثين فكرة أننا كائنات فيزيائية وضعت في وعاء فيه سوائل لزجة ومربوطين باسلاك كثيرة من أجل أن نشعر بالعالم الموجود حولنا كما في فيلم الماتركس. بدلاً من ذلك، هنالك طريقتان على الاقل لتفسير كيف أن الكون حولنا ليس حقيقياً.
يعتقد عالم الكونيات اَلن كوث، الباحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بأن كوننا بالكامل يُحتمل أن يكون حقيقي الا أنه يمكن أن لا يعدو عن كونه نوع من تجربة مختبرية. الفكرة هي أن كوننا مخلوق من قبل كائنات ذات ذكاء خارق كما يُوَلد علماء الاحياء الكائنات الدقيقة في المستعمرات. يضيف كوث، من حيث المبدأ لا أحد يستبعد فكرة أنشاء الكون من انفجار عظيم اصطناعي ملئ بمادة وطاقة حقيقية. لا أحد يدحض مفهوم انشاء أو بداية الكون. وإنما فكرة الكون الجديد تنص على أنه تم توليده داخل فقاعة من الزمان والمكان، وهذه الفقاعة سوف تنفصل بسرعة من الكون الاصل وتفقد الاتصال به.
هذا السيناريو لا يغير أي شيء. كوننا يمكن أن يكون توَلَد من قبل كائنات ذات ذكاء خارق وربما بتجربة مختبرية، ولكنه فيزيائياً حقيقي كما لو أنه توَلَد طبيعياً. ومع هذا، هناك سيناريو ثاني. وهذا السيناريو حصل على الاهتمام الأكبر بسبب أنه يقوض كل مفهومنا عن الواقعية. يعتقد ايلون ماسك والباحثين الذين يوافقونه الرأي، أننا عبارة عن مخلوقات افتراضية بالكامل. أي أننا لا شيء سوى سلاسل من البيانات التي تم برمجتها في بعض الكمبيوترات العملاقة، مثل شخصيات ألعاب الفيديو، حتى عقولنا عبارة عن محاكاة بإمكانها الاستجابة إلى محاكاة المدخلات الحسية.
تنص وجهة النظر هذه على أنه ليس هناك مصفوفة للهرب منها. بل هذا هو ما نعيشه، وهي فرصتنا الوحيدة للعيش على الاطلاق. ولكن لماذا نؤمن بهذه الاحتمالية الانيقة؟ الجواب بسيط جداً: نحن اصلاً اجرينا عمليات محاكاة، وبتكنولوجيا أكثر تَقَدُم من الممكن أن نُصَنَع محاكاة غير محدودة تتضمن اشخاص واعين وتكون تجربة شبيهة بالحياة بشكل كلي. ونحن لا نقوم بعمليات المحاكاة فقط في العاب الفيديو بل في الابحاث ايضاً. حيث يحاول العلماء محاكاة العالم من أكثر من منظور من المستوى الذري إلى مستوى المجتمعات والمجرات وحتى محاكاة الكون كله.
على سبيل المثال، محاكاة حاسوبية للحيوانات من الممكن أن تُخبرنا عن كيفية تطور سلوكيات معقدة مثل التجمع والاحتشاد لدى الحيوانات. ومحاكاة اخرى تساعدنا في فهم كيف تَتَكَون الكواكب والنجوم والمجرات. ونستطيع ايضاً أن نحاكي المجتمعات البشرية باستخدام “وكلاء” بإمكانهم اتخاذ قرارات وفقاً لقواعد مُعدة مسبقاً. ممكن أن تعطينا فكرة عن كيفية ظهور التعاون، وكيف تَتَكَون المُدن، وحركة السير في الطرق والعمليات الاقتصادية واشياء أخرى كثيرة.
وازداد تعقيد عمليات المحاكاة مع التوسع في قدرة الحواسيب. حيث يوجد أصلاً محاكاة لتصرفات الانسان في محاولة لوضع وصف وافي وعميق للإدراك. ويعتقد الباحثون بأنه لن يَتَطَلب وقتاَ طويلاً قبل أن يعتمد هؤلاء الوكلاء باتخاذ قراراتهم على القواعد البسيطة المُعَدة لهم. بالمقابل سوف يعطى للوكلاء نموذج مبسط من الدماغ للتعرف على كيفية استجابتهم. والسؤال هل ستستغرق وقتاً طويلاً قبل أن نتمكن من صنع وكلاء حاسوبيين، مخلوقات افتراضية، تُظهر علامات وعي؟ إن التطور في فهم خريطة الدماغ والمصادر المعلوماتية الهائلة المتوقع حدوثها بتكنولوجيا الحواسيب الكمومية، جعلت ذلك متوقع في أي وقت.
إذا وصلنا هذه المرحلة، سوف نقوم بتشغيل عدد كبير من المحاكيات. يفوق إلى حد كبير العالم الحقيقي الموجود حولنا. هل ذلك غير مرجح، وهل وصلت الكائنات الذكية الموجودة في الكون إلى هذه النقطة اصلاً؟ إذا حدث ذلك، سوف يكون من المنطقي لأي مخلوقات واعية مثلنا أن تفترض بأنها في الواقع داخل احدى انواع هذه المحاكاة. الاحتمالية سوف تكون أكبر بكثير.
يدحض الفيلسوف في جامعة اكسفورد نك بوستروم هذا السيناريو ويجزئه إلى ثلاثة احتمالات. كما يلي:
1. إن أي حضارة متقدمة سوف لن تصل لمرحلة تستطيع فيها عمل مثل هذه المحاكاة، لأنها سوف تدمر نفسها اولاً.
2. حتى لو وصلت إلى هذه المرحلة من التقدم ربما سوف تختار هذه الحضارة ألا تقوم بهذه المحاكاة لأي سبب من الاسباب.
3. من المرجح أن نكون في مثل هذه المحاكاة.
السؤال هو أي من هذه الاحتمالات سوف تكون مرجحة أكثر.
بدوره يناقش الفيزيائي الكوني والحاصل على جائزة نوبل جورج سموت هذه الاحتمالات ويقول إنه لا يوجد سبب لنعتقد بالاحتمال الاول والثاني. بالتأكيد، الانسانية تسبب الكثير من المشاكل لنفسها في الوقت الحاضر، مثل الاحتباس الحراري والاسلحة النووية والانقراض الجماعي الذي يلوح في الافق. ولكن كل هذه المشاكل تعتبر مؤقتة. من حيث المبدأ، لا يوجد أي سبب يدفعنا للتفكير بأن مثل هذه المحاكاة أمر غير قابل للتطبيق. ويضيف سموت، بالأخذ بنظر الاعتبار مدى انتشارنا بالكون الواسع والممتلئ بالكواكب الشبيهة بالأرض. فأنه من الغطرسة الشديدة أن نعتقد بأننا أكثر المخلوقات تقدماً في الكون.
ماذا عن الخيار رقم (2)؟ ومن منظور، أننا ممكن أن نمتنع عن عمل محاكاة مثل هذه لأسباب اخلاقية. ربما يبدو امراً غير لائق أن نخلق كائنات تعتقد أنها موجودة ولها استقلالية فهذا يبدو غير وارد. يقول سموت. هناك سبب رئيسي للقيام بمثل هذه المحاكاة لفهم أكثر للعالم الحقيقي. وهذا يمكن أن يساعدنا لجعل العالم أفضل وانقاذ الارواح. لذلك هناك أسباب أخلاقية لعمل المحاكاة.
وهذا يتركنا لاختيار الخيار الثالث: من المرجح أننا داخل محاكاة. لكن هذا كله افتراضات. هل يمكن أن نجد دلائل تدعمه؟
يعتقد الباحثون أن ذلك يعتمد على مدى جودة هذه المحاكاة. وأفضل طريقة هي بإيجاد عيوب في برمجة المحاكاة، مثل العيوب التي تحدث في الصورة الصناعية لـ”العالم الحقيقي” في الماتركس. على سبيل المثال، يجب أن نبحث عن عدم التناسق في قوانين الفيزياء. بشكل موازي، العالم المخضرم في الذكاء الصناعي مارتن منسكي يعتقد بوجود الاخطاء الناتجة عن “التقريب” في الحسابات. على سبيل المثال عندما نواجه حدثاً له عدة احتمالات، فأن مجموع الاحتمالات يجب أن يكون واحداً صحيحاً 1. إذا وجدنا أنها ليست كذلك فإن هناك شيء خاطئ. صرح بعض العلماء أنه بالفعل هناك عدة أسباب جيدة تجعلنا نعتقد أننا داخل محاكاة. أحدها أن كوننا يبدو أنه مُصَمَم.
الثوابت في الطبيعة، مثل شدّة القوى الأساسية، والتي لها قِيَم تبدو أنها جرى مناغمتها لتكون الحياة ممكنة. وأي تغييرات صغيرة فيها تعني أن الذرات لن تكون مستقرة أو النجوم لن تَتَشَكل. لماذا يحدث هذا؟ هذه احدى أعمق الالغاز في الفيزياء الكونية. إجابة واحدة ممكنة عن هذه التساؤلات هي ” الأكوان المتعددة”. الاكوان المتوازية، حيث كل هذه الاكوان تبدأ من حدث مشابه للانفجار العظيم ولكن لكل منها قوانين فيزيائية مختلفة خاصة بها. ومن حسن حظنا أن البعض من هذه الاكوان تكون متناغمة جداً لحياتنا وإذا لم نكن في مثل هذا الكون المضيف، سوف لن نبحث عن التناغم الجيد لأننا ببساطة سوف لن نكون موجودين.
بالرغم من أن الاكوان المتوازية فكرة تخيلية جداً. لذلك على الاقل ممكن أن نتصور أنه بدل وجود كوننا يوجد هناك محاكاة تقوم بتعديل متغيرات الكون ومناغمته ليعطي هذه النتائج المبهرة، مثل النجوم والمجرات والناس. وبما أن هذا الاحتمال ممكن، إلا أنه غير منطقي بالمرة. فالكون الحقيقي المفترض لخالقينا يجب أن يتم مناغمته ايضاً لكي يسمح بوجود هذه الكائنات الذكية ايضاً. في هذه الحالة الادعاء بأننا داخل محاكاة لا يحل لغز المناغمة.
أشار آخرين إلى بعض الحقائق الغريبة في الفيزياء الحديثة ممكن أن تكون أدلة على نوع من الاخطاء. ميكانيكا الكم، النظرية التي تصف فيزياء الجسيمات الصغيرة جداً، فَنَدَت كل هذه الحقائق الغريبة. على سبيل المثال، الكتلة والطاقة كلاهما يبدوان بشكل مكمّم. وايضاً، هناك حدود لدقة مراقبتنا للكون، وإذا حاولنا دراسة أي شيء أصغر ستبدو الاشياء غامضة وضبابية.
يقول سموت أن هذه التفاصيل المحيرة لفيزياء الكم هي فقط ما يمكن توقعه من عملية المحاكاة. هي مثل مشاهدة النقاط الضوئية المكونة للشاشة عند النظر لها عن قرب. ومع ذلك، هذا فقط تشبيه تقريبي. بدأنا ننظر إلى أن تكميم الطبيعة قد لا يلعب دور جوهري جداً، بل هو نتيجة لمبادئ أعمق حول مدى معرفة الواقع. حجة ثانية على عملية المحاكاة هو أن الكون يبدو أنه يسير في خطوط رياضية، تماماً مثلما نتوقع من برامج الكومبيوتر. بشكل غير محدود، يقول بعض الفيزيائيين أن الواقع لا شيء سوى الرياضيات. يعلل ماكس تيجمارك، الباحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ذلك بأنك عندما تفترض أن قوانين الفيزياء قائمة على خوارزمية حسابية فأنك سترى الكون ككيان رياضي.
قد تبدو هذه الحجة دائرية. لسبب واحد إذا كان بعض الاذكياء الخارقون يُشَغلون محاكاة لعالمهم الحقيقي داخل حاسوب، من المتوقع أن يكون كونهم الحقيقي قاعدة للأساسيات الفيزيائية لكوننا، تماماً مثلما نفعل في المحاكاة التي نُشَغِلها. في هذه الحالة إن السبب الذي جعل كوننا رياضي ليس بسبب أنه داخل حاسوب ولكن لأن الكون الحقيقي يتبع نفس الطريقة.
بالمقابل، يمكن انشاء محاكاة ليس لها قواعد وقوانين رياضية، على سبيل المثال، العمل بشكل عشوائي. لكن من غير الواضح فيما إذا كانت سوف تنتج عنها نتائج متناسقة، والنقطة الأهم هي عدم القدرة على استخدام الطبيعة الرياضية للكون بوضوح لاستنتاج أي شيء عن الواقع.
استناداً إلى بحثه يعتقد جيمس كايت، الباحث في جامعة ميرلاند، أن هناك أكثر من سبب محدد للشك في أن هذه القوانين في الفيزياء ما هي إلا محاكاة حاسوبية. درس كايت الكتلة في المستوي دون ذري مثل الكوارك، وهي الجسيمات الأساسية المكونة للبروتونات والنيترونات في نواة الذرة. يقول أن القواعد التي تحكم هذه الجزيئات تتصرف كسمات تشابه والشفرات التي تصحح الاخطاء في البيانات الحاسوبية. لذلك ربما هذه القواعد بالواقع عبارة عن شفرة حاسوب؟ ربما. أو من الممكن أن تفسير هذه القواعد الفيزيائية كشفرات معالجة الاخطاء هي ليست إلا مثال على طريقة تفسير الظواهر الطبيعية وفق تكنولوجيا العصر المتقدمة الحالية. مثلاً في وقت قوانين نيوتن للميكانيك كان الكون يبدو أنه يعمل مثل ميكانيكية عمل الساعة، وفي الآونة الاخيرة ظهرت المعلومات الوراثية في فجر عصر الحاسوب كأنها شفرات رقمية مخزنة وتقرأ من قبل الوظائف المختلفة. يمكن أن تكون عبارة عن ركوب الموجة الحالية لقوانين الفيزياء والتكنولوجيا المتقدمة.
يبدو أنها صعبة جداً إذ لم تكن مستحيلة أن نجد أدلة قوية على وجودنا داخل محاكاة. ما لم تكن اخطاء المحاكاة شائعة، من الصعب تصميم اختبار يظهر ذلك ولن نستطيع شرح النتائج بأي طريقة اخرى. يعتقد سموت بأننا سوف لن نعرف ابداً، بسبب أن دماغنا غير متطور لمعرفة ذلك. فأنت تُصمم عملائك داخل المحاكاة للعمل ضمن قواعد اللعبة وليست لتخريبها. سيكون هذا صندوق لا يمكن التفكير خارجه. على الرغم من ذلك يوجد أكثر من سبب عميق يجعلنا ربما لا نقلق بشكل كبير من فكرة أننا عبارة عن كائنات من البيانات يتم التلاعب بها بواسطة كومبيوتر عملاق. وذلك أن هذا هو العالم الحقيقي بكل الاحوال حسب اعتقاد بعض الفيزيائيين.
نظرية الكم نفسها تتم صياغتها بشكل متزايد على شكل بيانات وحسابات برمجية. بعض الفزيائيين أحسوا بذلك، فعلى المستوى البنيوي للطبيعة والتي لا تبدو كمعادلات رياضية صرفة بل كوحدات من البيانات على شكل نظام ثنائي من أصفار وأحاد. بحسب هذا المنظور، فأن أي شيء يحدث من تفاعل الجزيئات الرئيسية وصاعداً هو عبارة عن نوع من الحسابات.
يعتقد سيث ويد أنه من “الممكن أن نعتبر الكون عبارة عن كمبيوتر كمي عملاق”. سيث، الذي يعمل كباحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يكمل قائلاً: “اذا نظرنا إلى حشوة الكون – بنية المادة بأصغر مستوى لها – فهذه الحشوة لا تحتوي على شيء سوى الكموم أو وحدات البيانات “البتات” والتي تخضع لعمليات رقمية محلية”.
إذا كان الواقع فقط بيانات، فنحن لا نختلف عنه بشيء، سواءً كنّا داخل محاكاة أو لا. بشكل أو بآخر البيانات هل كل ما يمكن أن نكون عليه. هل يشكل أي فرق إن كنّا مبرمجين من قبل الطبيعة مباشرةً أومن قبل خالقين فائقين الذكاء؟ بصياغة أخرى للسؤال، ماذا لو قرر مشغلي المحاكاة ايقافها على حين غرة؟ كيف سنشعر حيال ذلك؟ يوصي تيجمارك بأننا يجب أن نستمتع بالحياة طالما أننا نستطيع ذلك. لكن قد يبدو هذا مثيراً للسخرية أن نتصور هذا السيناريو مبرمجي محاكاتنا كمراهقين يلعبون ألعاب الفيديو فيشعرون بالملل فيغيرون المحاكاة.
يتصف نقاش بوستروم للاحتمالات الثلاثة نوعاً ما بالأنانية. إنها محاولة لقول شيء عميق عن الكون من خلال استقراء ما توصل إليه البشر في القرن الواحد والعشرين. بعد هذا انتهى النقاش إلى التالي: “بإمكاننا أن نصنع العاب فيديو. واجزم أن المخلوقات خارقة الذكاء تستطيع ذلك ايضاً، ولكن العابهم سوف تكون مذهلة”. في محاولة لتصور ماذا من الممكن أن تفعل الكائنات الخارقة الذكاء أو حتى ماذا تتضمن، لدينا خيارات قليلة ولكن لنبدأ من أنفسنا. وهذا لا يغير حقيقة أننا فرائس للجهل.
ليس بمصادفة أن عدد من المدافعين عن فكرة “محاكاة الكون” كانوا من معجبين قصص الخيال العلمي في شبابهم. الأمر الذي ربما ألهمهم بتصور المستقبل والكائنات الفضائية الذكية، ولكن ايضاً يمكن أن يكون لديهم ميولاً لإنتاج هكذا تصورات بصيغة بشرية: لرؤية الكون من نوافذ المركبة الفضائية.
الفيزيائية في جامعة هارفارد ليزا راندال متحيرة من حماسة وتعصب بعض زملائها لفكرة المحاكاة الكونية. بالنسبة لها لم يغير أي شيء حول كيفية نظرتنا للعالم. حيرتها ليس فقط “وماذا بعد”: السؤال هو ماذا نختار لنفهم من خلال “الواقع”. ايلون ماسك لا يدور حول نفسه وينظر إلى الناس الذين يراهم حوله، واصدقاءه وافراد عائلته لهم على أنهم عبارة عن تراكيب حاسوبية صُمموا عن طريق تيارات من البيانات التي تدخل العقد الحسابية التي تشفر وعيه الخاص.
لا أحد يفعل ذلك إذ أن من المستحيل أن نحمل هذه الفكرة في رؤوسنا ولو لفترة وجيزة. وذلك لأننا نعرف عميقاً أن المفهوم الوحيد للواقع هو الواقع الذي نعيشه، وليس العالم المفترض الذي خلفه. ومع هذا لا جديد في السؤال عما وراء وجودنا وأحاسيسنا التي نعيشها. فقد ناقش الفلاسفة هذا السؤال لعدة قرون. تساءل افلاطون عما إذا كنا نعتبره حقيقة واقعة يمكن أن يكون كالظلال الظاهرة على جدران الكهف. فيما يذهب ايمانويل كانط إلى أنه من الممكن أن يكون “شيء جوهري” يكمن وراء المظاهر التي نراها، لا يمكن أبداً أن نعرفه. فيما جعلت مقولة رينيه ديكارت الشهيرة: “انا أفكر اذاً انا موجود” القدرة على التفكير هي المعيار الوحيد للوجود الذي يمكننا أن نشهده.
يمكن القول إن مفهوم “محاكاة العالم” تأخذ مقولات الفلاسفة القدماء وتُلبِسها لباس التكنلوجيا الحديثة. لا يوجد ضرر في ذلك. مثل كل الالغاز الفلسفية فإنه يدفعنا لاختبار افتراضاتنا وافكارنا المسبقة. ولكن يمكنك أن تُمَيِز بين ما نعيشه وبين ما هو “حقيقي” والذي قد يؤدي إلى اختلافات واضحة في ما قد نشاهده أو نفعله، الا أنه يجب أن لا يغير رؤيتنا للواقع بطريقة هادفة.
في أوائل القرن السابع عشر، جادل الفيلسوف جورج بيركلي بأن العالم مجرد وهم. وتم دَحض هذه الفكرة، حيث قال صموئيل جونسون الكاتب الإنجيلي الناشط: “أنا أدحض ذلك” – وركل حجراً. لم يدحض جونسون أي شيء، لكنه اختار الرد الصحيح.
المقال باللغة الإنكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

الإجراءات التجميلية ضرورية للرجال أيضاً في وادي السيليكون 

بقلم: بيتر هولي تاريخ النشر: 9يناير 2020  ترجمة: سرى كاظم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: …

ما هو الروبوت؟  

بقلم: كريس بود.                                                                       قدمه: مارين في 12 ديسمبر 2018. ترجمة: أيوب  أوقاسي تدقيق: ريام عيسى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *