الرئيسية / أجتماع / خيانة ثقة كريستوفر هيتشنز

خيانة ثقة كريستوفر هيتشنز

كتبه لموقع (ذي اتلانتيك): دايفيد فروم
بتاريخ: 9/6/2016
ترجمة: الاء عبد الامير
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: حسام زيدان

إن أكبر منتقدي كريستوفر هيتشنز لن يترددوا في منحه صفتين عظيمتين: الصدق والشجاعة. فهيتشنز تحدث عن الحقيقة كما فهمها بنفسه، بدون الاهتمام لمن قد يرضى ومن ينزعج. وما كتبه هيتشنز عن بطله الفكري (جورج اورويل) هو النقش على الضريح الذي كان ليتمناه لنفسه: “عن طريق اصراره على الوصول لحقيقة صعبة المنال لكنها ممكنة الاثبات، فقد أثبت ما يمكن للفرد أن يحققه حين يجمع صفات الصدق الفكري والشجاعة الاخلاقية.”
لكن نقش الضريح هذا تحديداً هو ما يسعى لنكرانه الكتاب الجديد عن هيتشنز. وهنا نتحدث عن (لاري تاونتن) الناشر والمبشر الانجيلي الذي جمعته صداقة بهيتشنز خلال السنوات الثلاث الاخيرة من عمر الاخير. ففي ربيع العام الماضي نشر تاونتن كتاباً جديداً يدعي أن هيتشنز لم يكن ملتزماً بإلحاده كما يصر علناً، وبأنه كان قد شارف على التحول للمسيحية.
بنى تاونتن ادعاءه الصاعق هذا على محادثتين اجراهما مع هيتشنز اأثناء تشارك الاثنين رحلة بالسيارة ذاهبين الى ندوات حوارية برعاية منظمة تاونتن. خلال الرحلة الاطول من هاتين الرحلتين (والتي بلغت 13 ساعة امتدت من بيت هيتشنز في واشنطن العاصمة وحتى بيت تاونتن في برمنغهام الاباما) تشارك الرجلين قراءة ومناقشة انجيل القديس يوحنا. كما لفت تاونتن نظر هيتشنز إلى وعد يوحنا بالحياة الابدية، الأمر الذي وصفه هيتشنز بحسب ادعاء تاونتن “لا يخلو من الاغراء بالنسبة لرجل يحتضر.”
حظي الكتاب بالكثير من الاهتمام وببعض المديح. (كريس ماثيوز) الذي استضاف هيتشنز بنفسه عدة مرات في الشبكة التلفزيونية (ام اس ان بي سي)، أجرى حواراًَ مع تاونتن وحث متابعيه على قراءة كتابه “المكتوب بشكل جميل”. اما (دايفيد هورويتز) الذي امتدت معرفته بهيتشنز طوال حياته فقد قال عن الكتاب بأنه “تحفة أدبية، لا يمكن لأي قارئ صادق أن يغفل عنها بسبب توجهه الفكري”. اما العمود الديني في النيويورك تايمز فقد روج لادّعاء تاونتن في العنوان: كتاب جديد يقترح أن كريستوفر هيتشنز كان متردداً في الحاده.
هذا ادعاء جريء، بأبسط تعبير. خلال الاشهر التي سبقت وفاته حذر هيتشنز بشكل شديد ومتكرر من ظهور ادعاءات كهذه واوصى بتجاهلها، حيث قال: يعتبر من الطبيعي جداً في مجتمعنا هذا أن تخاطب شخصاً غير مؤمن، يحتضر، وبدون معرفة مسبقة بينكما قائلاً له ’ألن تغير رأيك الان؟‘… وكما تعرف فهناك تاريخ طويل من الكذب بهذا الخصوص. الناس يدعون أنه كان لداروين توبة وهو على فراش الموت، وقاموا بتلفيق الاكاذيب عن توماس باين. هذا ما يحدث طوال الوقت، لدينا تاريخ بغيض بهذا الشأن… حتى أنهم حاولوا القيام بهذا الامر معي، حين كنت في المستشفى، ولم يكن لدي من الشراسة ما يكفي حينها.
وهناك العديد من المقابلات التي تحدث فيها هيتشنز عن هذا الامر، مثل حديثه مع (تشارلي روز)*، و(اندرسن كوبر) ل(سي ان ان)**، و(جيفري غولدبيرغ) ل(ذي اتلانتيك) ***.
توجهت لسؤال (مارك اوبنهايمر) كاتب المقال المنشور في النيويورك تايمز عن سبب عدم ذكره او اشارته لأي من هذه التصريحات التي أدلى بها هيتشنز في مقاله، فأجاب بإيجاز عن طريق البريد الالكتروني وسأقتبس هنا الفقرات الختامية من رسالته: “اظن أن الرهانات منخفضة على وجود او انعدام التأملات الدينية في المراحل المتأخرة من حياة المرء. سيرفض المسيحيون تقبل ذلك بسبب ايمانهم أن روحه في خطر. اما الناشطين من الملحدين فسيرفضون طرحاً مشابهاً بسبب رغبتهم بأن يتم تذكر صديقهم او قريبهم بشكل مناسب. لهذا انصب اهتمامي على الجدل الذي أحاط بالكتاب، وهو الامر الوحيد الذي كان باستطاعتي نقله بدقه.”
هل أن الرهانات المتعلقة بهذه المسألة منخفضة حقاً؟ كتاب تاونتن لا يدعي بشكل بسيط أن ملحداًَ مشهوراً ربما يكون قد شعر ببعض الانجذاب للإيمان الديني. بل هو يدعي –وبشكل حرفي في بعض المواضع- أن الرجل الذي هو محط تقدير الكثيرين هو في الحقيقة منافق، كاذب، وجبان، يحركه الجشع والغرور بشكل اساسي. ولا توجد طريقة للحديث بدقة عن هذا الجدل بدون التدقيق بصحة او زيف هذه الادعاءات. وهنا فشل الاعلام بشكل كبير، اذ رغم مرور اكثر من شهر على صدور الكتاب فلم يحدث هذا التدقيق.
إن عرض تاونتن لشخصية هيتشنز قاسٍ إلى حد كبير لدرجة أنه يستوجب عليّ الاقتباس الحرفي كيلا يظن احدهم اني ابالغ، يقول تاونتن عن هيتشنز: “كان عليه أن يلعب الدور علناً، إن يستعرض نفسه كملحد واثق، هذا هو طرف الجدال الذي اُعطيَ له، الطرف الذي منحه الثروة والشهرة. اما بشكل خاص فقد كان يدخل الاراضي المحرمة…”
ويضيف في نفس السياق: “إن احاديثي الخاصة معه كشفت عن رجل كان يزن اعباء تحوله. اما اصدقاءه من الملحدين وزملاءه فقد استشعروا مغازلته للمسيحية، وخوفاً من انشقاقه عنهم بشكل كامل وتوجهه لهذا العدو المكروه فقد سارعوا للحفاظ عليه في حظيرتهم. ولغرض طمأنتهم فقد كان كريستوفر من جانبه اكثر صخباً من أي وقت مضى. لكن خُطَبه كانت تخفي حقيقة أنه حتى اثناء احتجاجه على الرب من المنصة فقد كان يتفاوض معه سراً. إن الاستعراض الشديد للولاء يسبق الانشقاق غالباً، وهذا ما كان على كريستوفر فعله. او على الاقل هذا ما كان عليه فعله لتجنب السخرية والنبذ الذين سيتعرض لهما بلا شك على ايدي اولئك الذين يحيون ذكراه الان. التحول السياسي كان امراً مختلفاً، اذ يوجد سابقة لهذا، كالتحول السياسي ل(تشرتشل). لكن كريستوفر علم جيداً أنه مهما بلغ حجم الانتقاد الذي تعرض له او عدد الصداقات التي خسرها فإن ذلك كله سيبدو باهتاً مقارنة بما سيعقب تحوله الديني. لأن كراهية الرب كانت عقيدة اساسية في ايمانهم ولا خلاص لأولئك الذين يتخلون عنها. وهنا تخلت عنه شجاعته، ففي النهاية مهما كنا عنيدين بطبيعتنا سيوجد دائما قلة من الناس ممن نرغب بأن ننال استحسانهم وأن نطابق معاييرهم.”
ما الاثبات الذي يملكه تاونتن لدعم هذا الادعاء بأن كريستوفر هيتشنز كان يؤمن بشيء ويقول شيئاً اخر لغرض الحصول على المال وليتجنب “السخرية والنبذ”؟ ما الدليل على أن هيتشنز بقي ملحداً لأنه “يزن اعباء تحوله” وفضّل مطابقة معايير الاخرين؟ اهناك دليل على أن هيتشنز “كان يغير اراءه فيما يتظاهر غالباً امام نفسه والاخرين بعدم فعل ذلك”؟ أين الدليل على أن هيتشنز كان “يفاوض الرب سراً” ولكن في النهاية “تخلت عنه شجاعته”؟
إن الاجابة على هذه الاسئلة جميعاً صادمة اكثر من الاتهام بحد ذاته، وكان يجب أن تكون ظاهرة بشكل جليّ لأي شخص القى نظرة متمعنة بعض الشيء على الكتاب: تاونتن لا يملك دليلاً.
فمن الواضح أن الكتاب يفتقر للعبارات المقتبسة او الافعال المسجلة التي تدعم ادعاء الكاتب بأن هيتشنز كان “يحدق في اعماق الابدية، مترنحاً على حافة الايمان” في ايامه الاخيرة. عشرات الادعاءات كهذه موجودة في كتاب The Faith of Christopher Hitchens ولا يدعمها سوى تفسير او تخمين لاري تاونتن لأفكار هيتشنز غير المعلنة.
فتاونتن هو من استنتج “ظهور صدع كبير في الحاد هيتشنز الانعكاسي”، وهو من خمن أن هيتشنز “لم يصدق كل ما كان يقوله عن المسيحيين وعقيدتهم”، وتاونتن استشعر لوحده أن واحدة من عِظاته قد تركت اثراً في هيتشنز “عميقاً جداً حتى اني علمت أن شيئاً تغير في تفكيره في تلك اللحظة”.
اما من جانب هيتشنز فنجد أن الصمت حل محل ما كان يجب أن يكون اقتباسات وحكايات داعمة لهذه الادعاءات. وبدل الادلة يقدم لنا تاونتن صفّين من الحجج التي تمتاز .. حسناً فلتقرروا بأنفسكم.
الصف الاول من الحجج هو الاستشهاد برقة ولطف هيتشنز مع محاوريه من المسيحيين كدليل على عدم وجود اختلاف حقيقي معهم. بتعبير تاونتن: “صداقة هيتشنز مع المحافظين من المسيحيين ستكون سبباً في حدوث تغيير يدفعه لتجاوز أي نقطة توقف مريحة.”
والصف الاخر من الحجج فيتمثل في بناء تعريفه الخاص لماهية الالحاد المتماسك منطقياًَ، ثم اظهار عدم توافق هيتشنز مع جميع جوانب هذا التعريف الذي وضعه تاونتن بنفسه، وفي النهاية استنتاج أن هيتشنز لا يمكن أن يكون ملحداً حقاً. فرغم كل شيء يجب على الملحد الحقيقي أن يتفق مع (بيتر سينغر) في عدم امتلاك الطفل البشري أي افضلية اخلاقية تفوق ما يملكه الخنّوص، ولأن هيتشنز لا يتفق مع سينغر فلابد أنه يتجه للاتفاق مع تاونتن.
من الجدير بالملاحظة أن الحجة الثانية يمكن اخذها معكوسة، ولو كان هيتشنز حياً لفعل ذلك بالتأكيد، يمكن لأحدنا أن يرسم صورة مبالغة للممارسات المسيحية، شاملة محاكم التفتيش وعمليات الحرق على الاوتاد، ثم ملاحظة الفروقات بين هذه الصورة والقناعات الفعلية لشخص فعلي، وبالتالي التوصل لنتيجة مفادها أن هذا الشخص ليس مسيحياً حقاً، وبأنه يتجه نحو عدم الايمان، رغم كل تأكيداته/ او تأكيداتها على حصول العكس.
اما الحجة الاولى، فهي تخطئ تفسير الفضول بالموافقة. غالبا ما كان كريستوفر هيتشنز بعيداً عن المنصة يولي اهتماماً محترماً لوجهات نظر كان يعتبرها خاطئة جزئياً او كلياً. وهكذا اكتسب الفهم الذي كان يستعمله ليكون له تأثيراً مدمراً على منصة المناظرة. كما يوجد مثال مضحك على قدرة هيتشنز هذه في صفحات تاونتن نفسه، في الحقيقة هذا هو الامر المضحك الوحيد فيها، ومن المضحك اكثر أنه مثال غير مقصود. تدور الحكاية كالتالي: انهى كريستوفر هيتشنز للتو جولة اخرى من النقاش مع خصمه الديني، وفيما كان جالساً ليستريح في المطعم عقب النقاش كان لخصمه شكوى، وهي أن هيتشنز كان قد استخدم قصص فظيعة بشكل غير عادل للفوز بحجته.
يقول الخصم المستاء: “ليست لدي شكوك أن هذه القصص حقيقية. وبإمكاني اضافة المزيد من القصص لتلك التي رويتها. لكن هذه الافعال ليست افعال مسيحيين مخلصين.”
فيجيبه هيتشنز: “ألا تعد الكنيسة الارثوذكسية مسيحية؟”
وعند تلك النقطة تدخل تاونتن في الحوار شارحاً أن: “ما نعتبره نحن مسيحياً من عدمه ليس هو المهم، بل ما يهم حقاً هو ’ما الذي يقوله الانجيل؟‘”
وهنا يأتي الجزء المضحك: “في تلك اللحظة اعتدل هيتشنز في جلسته، مندهش تماماً بفكرة أن الانجيل هو الحكم الوحيد للفصل بين المسيحية الاصيلة والنسخ المزيفة منها. وهو مبدأ قديم بقدم المسيحية نفسها، الامر الذي تركه مصعوقاَ.”
وبالنسبة لأي قارئ يألف حياة ومؤلفات كريستوفر هيتشنز ولو بشكل فضولي فإنه سيتمتم ساخراً “اراهن على ذلك”. لو أن هيتشنز “صعق” حقاً (لو افترضنا انه لم يقل شيئاً ساخراً للرد) فلن يكون ذلك لأنه يفكر: “يا له من جواب سريع لاذع وذكي!”، بل لأنه كان يفكر: “يا للهول، انهم بالفعل لا يعتبرون الكنيسة الارثوذكسية مسيحية!”
اجريت مقابلة مع تاونتن في وقت مبكر من صباح (يوم الذكرى) وطرحت عليه السؤال بشكل مباشر: أنت رجل يعيش بالمبدأ التفسيري (سولا سكريبتورا اي المرجعية الوحيدة للكتاب) والذي ينص على: “الكتاب المقدس وحده هو الدليل”. لذا فمن فضلك هلا زودتني بنص، اي نص، من كتابك او ملاحظاتك لدعم تصريحاتك المتعلقة بالمعنى الكامن خلف ردود الفعل الصامتة التي قابل بها هيتشنز حججك. دفع تاونتن بالحجتين المذكورتين ثم خلص إلى أنه: “ليس بمقدورك إن ترصد هذا النوع من العلامات حين تنظر للعالم بعين الالحاد”، اجبته: “هذا أمر ممكن بالطبع، إنه ممكن بكل تأكيد”، ثم عدت مرة اخرى لمطالبته بدليل من اقوال هيتشنز يدعم استنتاجاته. يجيبني تاونتن: “بعض هذه الامور هو تكهني بالطبع، ما أعنيه هو أن كل جزء من كتابة السيرة الذاتية يتطلب القليل من التكهنات المستندة على الدلائل المعروضة امامنا. وبهذا الشكل اتناول الاشياء التي رأيت هيتشنز يقولها ويفعلها واستخلص منها دلالات معينة.” ربما كان يجب ان يكون عنوان النيويورك تايمز: “كريستوفر هيتشنز متردد في الحاده، على الرغم من تصريحاته المتكررة والمؤكدة على النقيض، هذا ما يتكهن به الكتاب الجديد.”
دعونا نعطي لتاونتن قدراً معقولاً من الحق، فبعض الاشخاص يتناقلون فيما بينهم رسائل مهمة بصورة غير لفظية. أيعقل أن يكون تاونتن قد رأى خلال الوقت الذي قضاه مع هيتشنز أمراً لم يلاحظه اصدقاء هيتشنز المقربين او معجبيه؟ هذا الاحتمال يستدعي طرح اسئلة اخرى: ما شدة حساسية لاري تاونتن كمراقب؟ وما مدى موثوقيته كقاص؟
اول دليل على وجود شيء مفقود في رواية تاونتن هو ما يقوله الكاتب عن نفسه. فمنه عرفنا عن أمر الصداقة الحميمة بينه وبين هيتشنز، من خلال متابعة باقة من الإطراءات المذهلة التي جمعها الكاتب عن نفسه في كتابه. اذ يقول نقلا عن هيشتز: “إن الرب وضع فيك مدافعاً جديراً يا لاري، لأنك تؤمن به”، فرغم إن هيتشنز كان يبغض الدجالين من المتدينين، إلا أنه كان يكن الاحترام للاري تاونتن. كما يذكر رد هيتشنز بعد اطلاعه على مسودة الكتاب: “جيد جدا”. ويذكر أن هيتشنز قال له مرة عقب واحدة من نقاشاتهم العامة: “لقد كنت جيداً جداً هذه الليلة”. كما يذكر بصورة خاصة: “لو أن الجميع في الولايات المتحدة امتلكوا صفات الاخلاص والاهتمام بالأخرين التي يمتلكها لاري تاونتن، لكنا نعيش في مجتمع افضل بكثير من الذي نعيش فيه الان:” (الاطراء الاخير هذا كان مبعث سرور غامر لدرجة أن قام تاونتن بذكره مرتين.)
ثم أنه من المثير للقلق ان يعترف تاونتن بأنه نادراً ما سجل ملاحظات في وقت اجراء حواراته مع هيتشنز. وانا هنا لا اقترح بأي شكل من الاشكال بأن يكون تاونتن قد اختلق اقتباساته عن هيتشنز، رغم مخاطر اعادة صياغة الحوار بعد حدوثه. الا أنها في الحقيقة تبدو كأشياء لطيفة قد يقولها هيتشنز لنظيره من المناظرة او نديمه في الشرب. ملاحظتي الوحيدة هنا: هذه الإطراءات على الكاتب لم تجد طريقها الى كتابه بالصدفة.
هذه الكمية الوافرة من المديح الذي كان يوجهه هيتشنز لصديقه يشكل تناقضاً كبيراً مع وابل الاساءات التي يوجهها تاونتن لصديقه العزيز. انا لا استمتع ابداً بإعادة ذكر هذه العبارات، وحتى لو كتبت عدداً كبيراً منها فهناك العشرات مما لا يسعني ذكره. لكن اخذ العينات العادلة هو امر ضروري لأخذ نظرة واضحة عن هذه الصداقة. يقول تاونتن: “الجنازة –جنازة هيتشنز- كانت تشبه الرجل نفسه، فقد كانت تشبه الى حد كبير احتفالاً بكراهية الجنس البشري، والغرور، والاسراف بكل شيء”. ويقول في مكان آخر متحدثاً عن هيتشنز: “كان ابواه يكنان الحسد والاعجاب للأثرياء، وهي ذات الصفة التي حصل عليها منهما.” و”يمكن للمرء أن يستشعر في كتاباته احساساً متضخماً بأهمية الذات.” و”كريستوفر كان يفضّل نفسه دائما.” كما يقول: “كريستوفر كان ذو اطلاع واسع لكنه ليس عميقا، الامر الذي اكسبه فهماً سطحياً للأمور التي كان يتحدث عنها بثقة كبيرة في نفسه.” ومما يقوله ايضاً: “لنتذكر أن كريستوفر كان ممثلاً، وهذا ما ساعده في خداع خصومه ودفعهم للمبالغة في تقدير براعته الفكرية.” ويتحدث عن كريستوفر في شبابه قائلاً: “كان مثقفاً يسارياً طموحاً، ومتفاخراً في طور النمو.”
إن افعال هيتشنز التي تبدو للبعض على أنها سخية وكريمة ومتسامحة (مثل استجابته الهادئة بعد مرور اربع سنوات على قيام اخيه بيتر هيتشنز بنشر هجوم ممتعض) كانت تعطى تفسيرات سلبية الى حد كبير من قبل تاونتن: “لو اردنا اجراء مقاربة ساخرة –وهذا ما علينا فعله دائما عندما نقرأ لكريستوفر هيتشنز- فإننا نستخلص بأن هذه ما كانت الا محاولة من جانب كريستوفر لجعل نفسه يبدو رجلا افضل وارفع مكانة من اخيه.” وكان تاونتن قد اعتزم قراءة رد كريستوفر الهادئ على انتقادات اخيه بطريقة غير ساخرة، لكنه صرف نظره عن الفكرة وخلص إلى أن تصرف هيتشنز كان “مغروراً وغير ضروري.”
لقد تمكنت من ايجاد تعليق واحد فقط لا لبس فيه عن هيتشنز ويخلو من مديح الذات لتاونتن. وعندما عرضت هذه الملاحظة على تاونتن، تحول صوته الى نبرة دفاعية. لذلك سألت تاونتن ان يفند ما قلت بأن يزودني بمثال مضاد من كتابه. وحين فشل في فعل هذا، قرأت عليه بعض من ملاحظاته المهينة المذكورة في الاعلى، الامر الذي تسبب بالتالي:
“ما اود قوله هو أن كريستوفر تخرج من اوكسفورد بشهادة من الدرجة الثالثة… كريستوفر نفسه لم يكن يدعي كونه مثقفاً عاماً. لكنه لم يمانع ان يدعي الاخرون هذا الامر بالنيابة عنه. كما ان كريستوفر كان خطيبا متمرسا، والطريقة التي اقدّم بها كريستوفر هي لجعل الاخرين يفهمون ان خضوعه للتدريب في مهارات المناظرة كان امرا مهما في تحضيره ليصبح ذو افضلية في النقاش. لأنه كان يتقن الامر. لقد كان متمرساً الى حد كبير في هذا النوع من النقاشات. لذلك فحين قمت بتقييم حجته على الورق، جاءت النتيجة مختلفة تماما عما نراه، فنحن حين ننظر اليه نجده يجيد استعمال بلاغته ولهجته الانجليزية ونحوه. لكن كريستوفر لم يدعي ابدا كونه باحثا في التاريخ او الفلسفة. اظن ان هذه الامور التي نحن بحاجة للإشارة اليها، لبيان خطأ الافتراض بأنه كان ملما بالكثير من المجالات التي كان يتحدث فيها.”
بعد مرور بضع دقائق قام تاونتن بتهنئة نفسه لعدم استرساله بحديث اكثر قسوة عن هيتشنز حيث قال:
-ألم تلاحظ كمّ الامور التي لم اذكرها في الكتاب؟
-مثل ماذا؟
-حسنا، انا أعني الكتاب، ولست اخادع، الاشياء الوحيدة التي اتحدث عنها في هذا الكتاب والتي قد تبدو…
في هذه المرحلة كانت ثورته قد هدأت وبدأ حديثه يصبح اشبه بالغمغمة والتلميحات الضبابية.
وبتعبير اخر فحتى عندما تحديته قائلاً: يبدو انك غير قادر على قول شيء جيد واحد بحق الرجل الذي تدعوه صديقاً. وحتى في خضم محاولته لأثبات ان بمقدوره ذكر حسنات الرجل، كان تاونتن يتفوه بالمزيد من الاساءات. لربما تظن ان كريستوفر كان مثقفا، يقول لاري ان هذا امر غير صحيح، هيتشنز كان حائزاً على شهادة رخيصة من الدرجة الثالثة من اوكسفورد، ولم يكن خبيراً في التاريخ او العلوم او الفلسفة. ألم يكن هيتشنز متحدثا بليغاً وحذقاً؟ لا، ليس بحسب ما ينقله لاري تاونتن، كان مجرد شخص عرف كيفية لاستفادة من الالاعيب البلاغية واللهجة الانجليزية.
أي نوع من الاصدقاء ذلك الذي يستخف برجل انتهت حياته بشكل مفاجئ وغير قادر على الدفاع عن نفسه؟ حسنا، انه الصديق الذي يقول: “كان بإمكاني قول امور اسوأ.” وجميع هذه الامور بحسب صديق هيتشنز المفضل كان “يجب الاشارة اليها” لكي لا تنخدع الاجيال اللاحقة بوهم كريستوفر هيتشنز ذو العقلية الفذة والقلب الكبير.
قد لا يكون كريستوفر هيتشنز باحثاً منهجياً، لكن قراءاته كانت واسعة بما يكفي لتحيط ببيت شعري يعود (لجورج كانينغ) وهو اوكسفوردي شهير اخر:
اعطني العدو القوي، المستقيم والصريح
عدواً شجاعاً لأواجهه، وربما ارد له اللكمة!
لكن من بين جميع البلاءات التي تستطيع السماوات ارسالها،
انقذني، ارجوك انقذني من صديق وفيّ!
وفيما وصلنا إلى نهاية المقابلة، قذف تاونتن باتهام ضدي: “اظن ان الامر سيتطلب شجاعة كبيرة منك للكتابة بمحاباة عن هذا الكتاب لو اخذنا بنظر الاعتبار العلاقات والانتماءات التي تمتلكها. واظن انه امر مستبعد الى حد كبير. وقد تملكني الاحساس خلال هذه المقابلة بأني لن احصل على معاملة عادلة من (ذي اتلانتيك)، هذا ما تبدو عليه طبيعة هذا الحوار.”
اجبت تاونتن بأن حدسه في استشعار خوف اولئك الذين يشككون في رواياته يبدو كأمر يقوم به على نحو منتظم. فعندما رفض كريستوفر هيتشنز الاستسلام لدعوة تاونتن فسر الاخير هذا الامر بأن شجاعة هيتشنز قد خذلته. وعندما قام (مايكل شيرمر) المحرر في مجلة (سكيبتك) بسحب دعايته لكتاب (ايمان كريستوفر هيتشنز)، لأنه ظن ان الكتاب يحمل رسالة خادعة، فقد شكك تاونتن بدوافعه للنيويورك تايمز قائلا: “أيمكن للرجل ان يبدو اكثر سخافة منه حين يقوم بكتابة موافقة مبهرجة ثم يسحبها بسبب تعرضه لبعض الانتقاد من معجبيه؟” والامر شبيه لذلك في حالتي: فما هو الدافع الذي قد يفسر اعتراضاتي على التشهير برجل ميت غير ارضاء “علاقاتي وانتماءاتي”؟ بأية حال، بعد بضع دقائق وضع تاونتن اصبعه على سبب اخر قد يكون دافعا وراء اعتراضاتي على اساليبه: ليس الخوف فقط، لكنه الغرور ايضا، او الرغبة بالتباهي بعلاقتي الخاصة مع هيتشنز: “سترى نفسك كالمدافع عن كريستوفر خلال كتابتك لهذا المقال، ومما لا شك فيه فإنك ستذكر تجاربك الخاصة معه.”
لم اكن اخطط لذكر هذا الامر، لكن بعد ذلك التحدي قررت أن أسرد حادثة واحدة فقط. في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2005، تحدث هيتشنز في معبد (هولي بلوسوم) اليهودي في تورونتو. وتم تكليفي بمهمة الاشراف على الامسية، حيث استقبل هيتشنز الاسئلة من الحضور، ثم ارجأت الجلسة لتوقيع الكتب وتبع ذلك المزيد من الاسئلة. انتهت الامسية في وقت متأخر ثم رافقت وزوجتي هيتشنز الى البار الواقع في الطابق العلوي من الفندق الذي ينزل فيه. وفيما جلسنا اقتربت منا امرأة عرفت عن نفسها كمعجبة بهيتشنز وتحمل بضعة اسئلة. انتبهت زوجتي الى ان هذه المرأة تبعت هيتشنز من المعبد، فأشارت لي بشكل صامت لفعل شيء للتخلص منها، تدخلت في المحادثة القصيرة التي كانت تجري بين هيتشنز والمرأة مخبرا اياها كم انه من الرائع تكبدها لعناء التعبير عن اعجابها بهذا الشكل، لكن عمل السيد هيتشنز قد انتهى الان. تصبحين على خير. نظرت لي المرأة بغضب ثم استدارت وانصرفت. فقال هيتشنز: “شكراً لك، لا يمكن لي ابداً إن افعل ذلك.”
وللحق لم يكن بمقدوره ابداً فعل ذلك، فرغم نوبات غضبه المتباعدة، كان كريستوفر هيتشنز رجل ذو كرم عاطفي عميق، وصبر غير منقطع مع قراءه ومعجبيه. كان معتاداً على التوقف للحديث مع الطلاب الجامعيين على الرصيف خارج محاضراته، وكذلك مع الصحفيين الطامحين القادمين في زيارة من مدن اخرى، وحتى المارة ممن ينجذبون للمشاهير ويستوقفونه في الشارع. كانت هذه صفة محببة بشكل كبير، لكنها تركته عرضة للهجوم والسخرية من قبل الكثير من الاشخاص ممن يمتلكون دوافعهم الخاصة، قد تكون دوافع بريئة لكنها احيانا لم تكن كذلك. المرأة في بار فندق (حياة بارك) لم تكن مؤذية، لكن من يعلم لو انها كانت تكتب كتاباً؟
حديثي مع لاري تاونتن انتهى بانعكاس محزن عن المؤلف: “اظن ان القوى تتحرك بشكل مؤكد في جانبه من النقاش –يقصد هيتشنز- اكثر بكثير من جانبي.” لقد كان تاونتن يأمل بإظهار امكانية اجراء حديث بين شخصين ممن يحملون وجهات نظر مختلفة، والان يجد نفسه ضحية للتشهير بواسطة امثالي. مع ذلك فلست متفائلاً بأن ما سماه تاونتن “جانب هيتشنز من النقاش” سوف ينتشر. لأن قصة النيويورك تايمز عن كتاب تاونتن قد وجدت طريقها لمناصريه: “أيا تكن الحقيقة عن ايمان السيد هيتشنز على فراش الموت، فهي ادعاءات كافية لصنع قصة جيدة.” ان السيد كريستوفر هيتشنز كان مصراً على ان القصص الجيدة هي القصص الحقيقية فقط. على الرغم من مهنة هيتشنز المذهلة ووفاته الفلسفية، فإن التعليم يبقى غالباً امراً غير مرحب به وغير مرغوب به من قبل العالم الذي خلفه وراءه.
المقال باللغة الانكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

القضاء على الفقر المدقع في شرق اسيا ومنطقة المحيط الهادي 

ترجمة: سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   في …

عملية هدم الحضارة

ادريان ولدرج يرثي انهيار منظومة العادات والاعراف    بقلم : ادريان ولدرج ترجمة: سهاد حسن …