الرئيسية / فكر وفلسفة / الواقعية واللاواقعية .. الحد الفاصل بين النظرية والواقع

الواقعية واللاواقعية .. الحد الفاصل بين النظرية والواقع

————————-
بقلم: مايكل شتلورث

ترجمة: أثير العطار
مراجعة: حسن مازن
————————-

 الواقعية واللاواقعية جانبان من نقاش فلسفي يقف خلف الاساس الكامل لحقيقة علمية مقبولة.

    هاتان النظرتان المختلفتان تحددان كيفية تطبيق الملاحظات المتولدة من العلم في العالم الحقيقي. وبينما تكون قابلة للتطبيق في العلم، فأن النقاش الاكبر يتضمن العديد من المجالات، متضمنة الدين، السياسة والحياة اليومية. في العِلم، هذا النقاش يمثل تياراً معاكساً مهماً، يتساءل عن الحدود بين النظرية والعلم التطبيقي. فبينما لا يجب على الطالب الذي يؤدي تجربة لتحديد حامضية الليمون أن يقلق كثيراً، تتساءل بعض المجالات كالفيزياء الكمية عن كيف نرى الكون. العلماء النظريين والباحثون يدفعون حدود الواقعية، ويفترضون وجود الاجسام التي تمت رؤيتها بصورة غير مباشرة، لذلك فأن هذا النقاش له صلة كبيرة.

ماهي الواقعية؟

    أساس الواقعية هو القبول بوجود ظاهرة لايمكن مراقبتها. على سبيل المثال فرضية وجود الثقوب السوداء. لم يرى أياً من العلماء ثقبا أسود من قبل. ملاحظة الغيوم الوفيرة من المادة تدور حول أجسام كثيفة للغاية قادت الكثير من الفيزيائيين لأن يقولوا إن هذه الحقيقة يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

وبصورة مثيرة للاهتمام، تعتقد الفيزياء الكمية إن مصادم الهادرون الكبير سوف يولد ثقوب سوداء بالغة الصغر (ماكروية)، لذا فأن الحدود بين الواقعية واللاواقعية قد يتم اختبارها قريباً.

الداعم الرئيس لهذه الفكرة إن العلم يجب أن يؤخذ كحقيقة تقريبية، وهذه العملية تشترك بصورة كبيرة مع قابلية التفنيد لكارل بوبر. ولأنه لا يمكن لأي بحث علمي أن يُقبل كحقيقة، فإن الحدود بين النظرية والبحث غامضة. لا يوجد هناك تمييز واضح أو تعريف بين النظرية والقانون، تغيير النموذج هو مثال على تغيير قيم الحقيقة، حيث يضطر العلماء أن يتركوا الحقائق التي اعتقدوا في بداية الأمر إنها حقيقة. نقاش الواقعية واللاواقعية يسأل أسئلة عن قلب الطريقة العلمية.

ماهي اللاواقعية؟

يتخذ اللاواقعيون نظرة معاكسة دراماتيكية، بأن النظرية لا يجب أن تؤخذ على إنها حقيقة. المؤيدون يعتقدون إن العلم مليء بالنظريات التي تم اثبات خطأها، وأن اغلبية النظريات سوف يتم تحسينها أو رفضها في النهاية. النظريات العظيمة، كقوانين نيوتن تم اثبات عدم صحتها. بالنظر إلى التاريخ، هناك العديد من النظريات التي تبدو غير معقولة للعلماء المعاصرين، كفكرة إن الحرارة سائل غير مرئي يدعى فلوجستون أو (اللاهوب). وقد كانت جميعها نظريات مقبولة منطقياً، في ذلك الوقت، باستخدام البيانات التجريبية المتوفرة، ولكنها مرت في حالة الركود العلمي أنذاك.

وحتى النظريات الكبيرة مثل نظرية دارون للانتقاء الطبيعي ونسبية اينشتاين احتاجت إلى التحديث والتأقلم. اللاواقعيون يعتقدون إن النظريات مجرد أدوات مفيدة، غالباً ما تستعمل بعد أن يتم إثبات خطاءها. على سبيل المثال، قوانين نيوتن والنسبية، لا زالت مفيدة في الكثير من الحالات ولكن لها محددات إذا تم العمل بها في المستوى دون الذري.

الواقعية واللاواقعية ماهو الجواب؟ 

نقاش الواقعية واللاواقعية معقد جداً، وكما في معظم الفلسفة، هنالك مساحة رمادية كبيرة غير واضحة. على سبيل المثال، فأنا  لم أذهب إلى استراليا قط، ولكني متأكد إنها موجودة. ليس لدي دليل دامغ لكي استند عليه، ولكن وجود استراليا حقيقة مقبولة من قبل الكثير من الناس في العالم. فقط الفلاسفة الميتافيزيقيين القلائل ممن يشككون بالكينونة والذات سيعترضون على هذا. وعلى العكس، إذا قلتُ “لم ار قط أي كوارك (جسيم الكوارك) ولكني اعتقد بوجوده”، فأن هذا جزء من نقاش معقد. النظريون رأوا الكواركات بصورة غير مباشرة، ولكن هناك فرصة إن الظاهرة الاخرى قد تكون مسؤولة. الخوض أبعد في نقاش الواقعية واللاواقعية والكلام عن عن الاوتار الفائقة هو على حافات العلوم الزائفة.

في هذا الاتجاه، هناك خط فاصل صغير بين العلم المتطرف والدين. القول بأن الإله موجود ليس مختلفا كثيراً عن القول بأن جسيمات الكوارك موجودة، على الرغم من احتمال توفر دليل تجريبي في المستقبل القريب بالنسبة للأخير. ولأنه لا يوجد هناك خط فاصل واضح بين ما يمكن قبوله كحقيقة، و ماهو حدس، أكثر العلماء لا يقتربون إلى هذه المنطقة. ويبنون ببطء على النظريات المقبولة التي يمكن تغييرها فقط من خلال تغيير النموذج أو دحض المبدأ الرئيسي. على سبيل المثال، سرعة الضوء في الفراغ تقريبا 1.08×109. واذا تم إثبات عدم صحتها، فأن أحد قوانين الفيزياء سوف ينهار أو أن تغيبراً كبيراً سيطرأ.

التراكم البطيء للملاحظات و اختبار الفرضيات الصغيرة من اجل بناء نظرية أكبر، هو طريقة لتجنب المشاكل المحتملة بالواقعية واللاواقعية. وحتى الفيزيائيين النظريين، فأن البيانات التجريبية لها الأولوية دائماً على النظرية، لتجنب أسوأ ما في النقاش. البحث البطيء والصبور في تركيب الذرة من قبل ج. ج. تومبسون، رذرفورد وبور بنوا ببطئ الإثبات على وجود الالكترون. حتى إن لم يستطيعوا رؤية الأجسام الأساسية، فأن اثباتهم أصبح حقيقة مقبولة. هذا الموقف من قبل أكثر العلماء، وقد حاولوا أن يهملوا النقاش وأن يدعوا الفلاسفة يقرروا التفاصيل الدقيقة عن طبيعة الحقيقة.

 

المصدر: اضغط هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الإرادة الحرة.. حقيقة أم أسطورة ليبرالية؟

ترجمة: آمنة الصوفي تصميم الصورة: أحمد الوائلي في عام 2016 هيمنت على العالم مفاهيم الليبرالية …

جوردان بيترسون وقصة برج بابل

كتبه لموقع “ناشونال كاثوليك ريجيستر”: كريستوفر كاكزور* نشر بتاريخ: 12/9/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: أمير …