الرئيسية / فكر وفلسفة / ما الفائدة العامة للفلسفة؟

ما الفائدة العامة للفلسفة؟

بقلم: كيث بارسونز

إنني محاضرٌ لتعليم الفلسفة في جامعة حكومية، ولكن ما قيمة الفلسفة لمن يدعمون من يعلمونها؟

إن الفلسفة مجال صعب ومبهم. والعديد ممن يدعمون التعليم العالي غالباً ما يواجهون صعوبة في رؤية الهدف أو المغزى الحقيقي من المناقشات الفلسفية.

لماذا يدفع الناس لمناقشات تبدو سرية ومبهمة؟ بالإضافة لهذا، هل للفلسفة  أي قيمة أو منفعة مادية؟ هل فائدتها تبدو غامضة ومحيرة أيضاً؟
أمر آخر، ألم يتبنى الفلاسفة أسئلة متعبة والدفاع عن المواقف التي من الممكن أن تدمر حجر الأساس لاتجاهات الذين يدفعون رواتبهم وقناعاتهم؟ مثلاً، لماذا يجب على المعتدلين دينياً أن يدعموا الأبحاث والدراسات التي من الممكن أن تقود أبناءهم إلى الليبرالية أو إلى الإلحاد؟ ألا يجب على الفلاسفة إذن تحمل مسؤولية غرس القيم في أذهان من يدفعون هذه الرواتب؟ أعتقد أن هذا طرح علمي مهم فعلاً..

كالأسئلة التي نتعاطف معها بابتسامة أو نرفضها بلامبالاة.

لكن هذه الأسئلة جدية فعلاً وتستحق ردوداً مباشرة ومقنعة لها.

ًنعم، إن الفلسفة، كأي مجال آخر، تعتبر بحثاً علمياً متقدما

من الممكن أن تكون تقنياته ومخرجاته كممارسين محترفين مقتصرة على فئة محددة؛ إن مقالاً لفيلسوف محترف في مجلة ما من الممكن أن يبدو غامضاً تماما لغير الفلاسفة، كما سيبدو مقالٌ في مجلة لكيميائي بالنسبة لغير الكيميائيين …لكن كل النقاشات الفلسفية مهما كانت متزعزعة، هي بالأساس موجودة في نصوص لمحادثات تعود إلى ألفيْن وخمسمئة عام. عن أكثر الأسئلة أهمية ورئيسية التي سألها البشر.

تعتبر الفلسفة إحدى “الإنسانيات”  . وهي مجالات متعددة . فالفن والأدب والتاريخ والفلسفة كلها تسمى بالإنسانيات لأنها تتعامل مع أمور لا نملكها نحن كأعضاء في أي مجموعة معينة كالعرق والقومية.. بل ببساطة كبشر.

إن الأسئلة التي تشغل الفلاسفة هي نفسها التي تنشأ بطبيعة الحال في أي عقل يعكس وجود الإنسان عندما يقرر/تقرر أخذ استراحة قصيرة من متطلبات الحياة الملِّحة.

هناك أسئلة الصواب والخطأ.. الجيد والسيء.. وما إذا كانت هناك طريقة مثلى للإنسان ليعيش حياته.

إنه لأمر حتمي أن يكون البشر فضوليين حول طبيعة هذا الواقع ما إذا كان طبيعياً بالكامل أو أن هناك كائن خارق له، بالإضافة إلى عالم الفضاء، الوقت، المادة والطاقة. بالإضافة إلى أننا نريد أن نفهم أنفسنا ككائنات عقلانية؛ نريد أن نكتشف كم نستطيع أن نعرف حقاً وكيف يمكننا أن نصل لهذه المعرفة؟

ماهو نطاق هذه المعرفة؟ وإلى أي درجة من العقلانية سنصل لنفهم؟

فالذي لم يتوقف أبداً ليسأل هذه الأسئلة أو حتى الذي لم يمتلك فرصة للتوقف ليعلم كم أن هذه الحياة تقلصت وأصبحت أفقر مما يجب.

فكما قال سقراط  “أحد مؤسسي الفلسفة في الغرب ” :إن الحياة بلا ابتلاءات لا تستحق الحياة.

إن النقطة المهمة هنا، هي أن الغموض في نقاشات الفلاسفة لا تحتوي على أفكار لاعقلانية أو غير مهمة فيما تناقشه
.بالإضافة إلى صعوبة الفلسفة؛ بحكم أسئلتها الصعبة وإجاباتها غير الواضحة

يمكننا أن نصل إلى إجابات مقنعة فقط من خلال التفكير بأقصى جدية ومنطقية نستطيعها بالإضافة لأدوات التحليلية الموضوعة تحت تصرفنا. فالفلاسفة الجيدون يعرفون كيفية استخدام هذه التقنيات المتطورة ولذلك غالباَ ما تبدو كتاباتهم مبهمة بعض الشيء ومع ذلك فإن هذه النقاشات التقنية هي جزء صغير فقط في محاورات أكبر لأسئلة أصعب.

هذه هي الأسئلة التي لا نستطيع نحن البشر سؤالها. وإن لم نناضل للإجابة عليها بعقلانية فإننا نؤهل لإجابات حمقاء وغبية وستصبح حياتنا أفقر.

رأيتُ إعلانا مرة، كان مكتوبا كالآتي: “إن حاجة المجتمع لفلاسفة جيدين هي بقدر حاجته لسمكريين جيدين. فبدون الفلسفة الجيدة والأنابيب الجيدة فلا عقولنا ولا أنابيبنا ستُفتح.

إذن هل للفلسفة أي قيمة عملية؟ أعتقدُ أن الجواب الشخصي هو الأفضل: لطالما اعتبرت مهنتي كمحاضر جامعي كنوع من أنواع الخدمة المدنية. إن التعليم ليس مهنة فقط، بل إنه نداء داخلي، كاستدعاء لك. أنت لاتختاره، بل هو يختارك.

كل معلم حقيقي .. كل من يعلم حقاً هو أيضاً مستدعى.

ترى/ يرى مهنته كشيء أكبر من نقل للمعرفة. ففي الصميم إن التعليم عبارة عن غرس للقيم، إن هدفي أخلاقي قليلاً، وهو مساعدة الطلاب على أن يصبحوا أناساً أفضل. أريدهم أن يهتموا أكثر لأشياء كالحقيقة، الوضوح، الدقة في التفكير  والتمييز بين القيمة الصادقة من الخادعة.

إن الطريقة الوحيدة لإنجاز هذه الأهداف ليست من خلال التلقين. إن التلقين يعلمك ما تفكر؛ والتعليم يعلمك كيف تفكر .بالإضافة إلى أن الطريقة الوحيدة لتعليم الآخرين هي أن تتحداهم بأفكار جديدة ومشوشة إضافة إلى الجدال.. هذا هو السبب في كون التعليم غير ممتع؛ لأن هنالك حتماً طلاباً استثنائيين لأفكار وقيم تبدو غريبة ومناقضة لهم عما يراه الآخرون.

إن البعض يخاف من أن تنمية هكذا اسئلة وترقية الطلاب للتفكير فيها هو أمر خطير. إنهم محقون، إنه كذلك، كما أخبرنا سقراط، متى ما بدأت بطرح الأسئلة و مجادلة الآخرين لمعرفة الإجابة، يجب عليك أن تتابع هذه الجدل لمعرفة تلك الإجابة وأن تلاحقها، مما يؤدي أحياناً لإجابات تشوش الآخرين وتناقض أيديولجياتهم.

إذا فكرت في البداية بعزل رأيك عن أي مخالفة أو مسألة، سيكون ذلك افضل وأكثر أماناً إذا ماكان طلابك قد لقنوا ببساطة على قول “نعم” كجواب لكل الأسئلة، بدلاً من أن تؤخذ هذه الأمور للتفكير خارج هذا الإطار، لكن التلقين والتعليم هما  متناقضان متقابلان وبالتأكيد متعارضات.

مهما كانت ايديولوجيتك المفضلة، لا يمكنك الموافقة بين التعليم والحماية، في جميع الاتجاهات لعقيدتك المفضلة.

إن التلقين يغير عدم المعرفة بتوضيحها، إن التعليم في الفلسفة يعطي الإنسان الأدوات اللازمة لعكس الأخطار والتفكير بمنطقية واتخاذ قرارات عقلانية والاستمتاع أكثر بالكنوز التي تعرضها الحياة وهذه هي الفائدة العامة.

 

المصدر: هنا

 

عن Momen Ashour

طالب لغة انجليزية و آدابها، مترجم و كاتب حر.

شاهد أيضاً

الإرادة الحرة.. حقيقة أم أسطورة ليبرالية؟

ترجمة: آمنة الصوفي تصميم الصورة: أحمد الوائلي في عام 2016 هيمنت على العالم مفاهيم الليبرالية …

جوردان بيترسون وقصة برج بابل

كتبه لموقع “ناشونال كاثوليك ريجيستر”: كريستوفر كاكزور* نشر بتاريخ: 12/9/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: أمير …