الرئيسية / عمارة / الحدث المعماري الأكبر في المانيا للعام 2017: “ايلفي”

الحدث المعماري الأكبر في المانيا للعام 2017: “ايلفي”

دار أوركسترا الإلبه في هامبورغ (ايلبفيلهاموني)
[spacer height=”20px”]
الكاتب: كريستوفر تغوستر
الصور المرفقة بالمقال: Kai-Uwe Gundlach
منشورة في كانون الثاني 2017 في مجلة (A&W)
ترجمة: حسام زيدان
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: حسام زيدان
[spacer height=”20px”]
[spacer height=”20px”]
دار أوركسترا الإلبه في هامبورغ هو الحدث المعماري الأكبر في المانيا للعام 2017. يطل هذا المبنى المفعم بالحيوية كمَعلم جديد للمدينة والصوت داخل قاعتهِ يَحبِسُ الأنفاس بحق.
قليلةٌ هي البنايات التي تثير بنا الدهشة. قد تكون آيا صوفيا في اسطنبول واحدة منهم، والكاتدرائيات القوطية في فرنسا أو بعض مباني فرانك جيري. أما اليوم فتنضمُ إليهم قاعة الحفلات الموسيقية ايلبفيلهاموني (die Elbphilharmonie) والتي تنتصب في ميناء مدينة هامبورغ البراغماتية وتماماً فوق أحد المخازن القديمة. في الواقع إن “الايلفي”(Elphi)- الاسم المحبب للمبنى- هو مبنى استثنائي تماماً. هذا ما صرّح به جاك هيرزوك (Jacques Herzog) أحد المعماريين القائمين على المبنى. والمثير للاهتمام أن مكتبهُ المعماري ” هيرتسوغ ودي مورون” (Herzog & de Meuron) قد نفذ بالفعل مشاريع ضخمة كالملعب الأولمبي في بكين، أليانز أرينا (die Allianz Arena) في ميونخ ومتحف تيت مودرن – معرض الفن الحديث في لندن (das Museum Tate Modern). ما الذي يمكن أن يُفاجِئنا بهِ مِعماريين ذَوي خبرة من هذا الطراز؟
هامبورغ يمكن أن تفعل ذلك يوجز جاك هيرزوك قصة التخطيط الذي إمتد لثلاثة عشرة عاماً ويقول: “إن المشروع برمتهِ حَدث تقريباً عن طريق الصدفة، من خلال فكرة لعدة أفراد. من الصعب أن يفوز المرء بشيء كهذا من خلال منافسة ما، ولربما كنا الجيل الأخير من المعماريين الذين حظوا بفرصةٍ كهذه”. يكمل ويقول أيضاً. “لقد خطر لنا أحياناً بأن هذا المبنى سيحطم مسيرتنا المهنية. لقد شعرنا بطريقة ما بأننا نتحمل مسؤولية المشكلات والنقاشات أثناء فترة البناء. لقد أغوينا الناس بالتصميم”.
في بادئ الامر لم يكن هناك سوى صورةٍ واحدة، مِن أولَئِكَ اللائي تبعثنَّ بنا الاحلام. نوافذ ساطعة بالإضاءةِ الليلية، أجواء سحرية وحجمٍ هائل. الوصفة أظهرت مفعولها بإقناعٍ كبير، بحيث أن سكان هامبورغ قد صوتوا بالأجماع على هذا المشروع. في الميناء، في مدخل حي هافن ستي (HafenCity) الجديد، من المفترض أن تحصل المدينة على علامة تعجب عظيمة ذات شكلٍ موجيّ والمفترض بها أن تدفع بالمدينة الهانزية إلى مراتب متقدمة وتنافسية بين المدن السياحية. ولكن ما تَبع كل هذا لم يكن عمارةً مُذهلة، بَل سُوء إدارة مُذهل. التكاليف تضخمت بشكلٍ كبير وتَحوَّلت قاعة الحفلات الموسيقية من إشارةِ أملٍ إلى فضيحة. وراء ذلك كان اهداراً كبير وفشلاً سياسيّ.
واليوم اقلية فقط هم من بقوا يذكرون ذلك. افتتحت قاعة الحفلات ووقعَ الحدث الاستثنائي: المبنى المُكتمِل أروع من كل الصور المُقتَرَحة سابقاً. هكذا قالها وأكدها رئيس البلدية أولاف شولتز (Olaf Scholz). لم يكن هذ الفيض العاطفي جديداً عليهِ تماماً، فعندما حضر أول تجربة أداء للأوركسترا في القاعة، رأى في وجوه الموسيقيين إشراقاً: “لم يكونوا راضين، كانوا متوهجين!” ومعهم المدينة، الهندسة المعمارية ونقّاد العمارة في العالم، إلى “النيويورك تايمز”.
ما المثير تماماً في عمارة هذا المبنى؟  
اولاً وقبل كلَ شيء القيمة الرمزية المرتبطة برمزية الموجات- دافع يصحبهُ عواقب تجاه المبنى بأكمله. المبنى محاط مباشرةً بثلاث جوانب من المياه؛ المهندسين المعماريين استغلوا هذه النقطة في لفتةٍ كبيرة: شكل المبنى يبدو وكأنهُ قطعة كَعكٍ مأخوذةٍ مِن النَهر، بحيث تظهر كما لو أنها تجمدت بشكلٍ دراميٍّ مثير. يقول أسكان ميرجنثالر (Ascan Mergenthaler)، أحد مهندسي المشروع، بأنهُ حتى الجانب السفلي الضخم من الجزء الزجاجي مُمِوَج.
ما يثير الدهشة هو أن المشروع بأكملهِ قائم فوق مخزن يعود لستينات القرن الماضي وهيئته الرصينة لا تسمح بنشوء تعارض كبير مع الشكل الموجي، بل أن هذه التركيبة تُوافِق بين القديم والجديد والتي لا تحافظ فقط على قيمة التنوّع، بل تَرفَع مِن قيمتهِ الجمالية أيضاً. فضلاً عن ذلك فإن أجزاء الواجهة الصغيرة والمموجة تساهم أيضاً في الانطباع العام؛ بحسب زاوية سقوط الضوء تظهر احياناً كجسمٍ صلب واحياناً أخرى تُظهر تأثيراً سائلاً. خلال أيام هامبورغ الرمادية تتفاعل ايضاً مع الطقس، خلال الأيام الأخرى تعكس بريقاً ذهبيّ اللون؛ نادراً ما يوجد واجهات في أيامنا هذه مندمجة مع محيطها بهذه الطريقة-إنها لقطعة معمارية فنية.
مباشرة بعد المدخل يتم نسيان القاعدة الهشة للمبنى. حيث يتم امتصاص الزوار من خلالِ درجٍ كهربائيّ داخل نفق مضيء بطول 80م. ولأن الدرج مُقوس الشكل، فإن نهايته تبقى مخفية لتكشف عن نفسِها بتدريجٍ مُذهل: يُواجه الزوار نافذةً كبيرة وبلا إطار تَطلُ على الميناء، مِن شدةِ المنظر، يكاد المرء يشعرُ بأنهُ سيسقط في النهر.
من ثمَ تأتي ساحة عامة والتي لا توفر فقط نظرة شاملة حول المكان، بل تجعل أبعاد المبنى قابلة للرؤية بشكلٍ مختلف تماماً. تبلغ مساحة المبنى 3100م²، أي بقدر مساحة غاتهاوس هامبورغ (Hamburger Rathausmarkt). ايلبفيلهاموني تشبه مدينة ثلاثية الابعاد، عبارة عن متاهة لا يختبئ بها ثلاث صالات للحافلات الموسيقية فقط، بل ايضاً 45 شقة، 500 موقف سيارات، الكثير من المطاعم بالإضافة الى فندقٍ بخمسةِ نجوم يحتوي على حمّام سباحة وقاعة مؤتمرات خاصة. أي شخص لم يُدرك بَعد أن “إلفي” هو مبنى التكنولوجيا الفائقة التي تم فيها استغلال تكنولوجيات جديدة وغير مسبوقة إلى كل حدود الممكن، سيتضح لهُ الامر غالباً هنا.
ينطبق هذا على القوى المعقدة فوق المخزن القديم- يزن جزء المبنى الأعلى 200000 طن. ويشمل أيضاً نوافذ المبنى الفضية اللامعة والمنحنية جزئياً والتي اجتازت اختبار تحمل قوة رياح تصل الى 150 كم/س. وأخيراً يشمل ذلك صالة الحفلات الموسيقية ذات الشكل الحيوي والتي يتم الوصول اليها من خلالِ درجٍ مُبهِج عِبر الساحة العامة. ولأنهُ من المفترض ألا يُسمَع أي شيء من ضجّةِ السفن في صالة الحفلات الموسيقية، تم انشائها كغرفةٍ داخل غرفة ومعزولة صوتياً تماماً. الصالة موضوعة على 362 نابض فولاذي، تنخفض بمقدار 1.5سم، عندما تكون مملوءة كُلياً.
ترتفع الصالة نفسها بمدرج هائل من 12 الى 24 طابق، بحيث يرى الشخص نفسه في ناطحة سحاب. وكما وُعِدَ فأن الصوت موزع بطريقةٍ يكون فيها في المقاعد الرخيصة تماماً كما في المقاعد الباهضة الثمن. لا يجلسُ أي أحدٍ من الجمهور الذي يبلغ عدده 2100 شخص، أبعد من 30 متراً عن المايسترو، بحيث يملك الجميع اطلالة جيدة. ولكن ثمنُ ذلك هو ارتفاعٌ شاهق للمدرج. وجود مفهوم الغرفة هذا مأخوذ من ملاعب كرة القدم الحديثة وأيضاً مُستوحى من مسرح شكسبير ذي الشكل الدائري.
تتكون بطانة الصالة من 10000 لوح جبسي مقوى بالألياف والمطحون بشكل فرديّ. هذا “الجلد الابيض” يُوجه الصوت ويُحسن الصدى. يوضّح أسكان ميرجنثالر، أحد المعماريين المسؤولين وشريك هيرتسوغ دي مورون: “المساحة السطحية المتعرجة تم اكتشافها للصوتيات سابقاً في عصر الباروك”. كانت في ذلك الحين عبارة عن انحناءات تستخدم لتزيين الغرف. أما في “الايلفي” فهي عبارة عن أضلاع صغيرة حيوية تُذّكِر الناظر بنمط المياه العائدة في الشواطئ. تم عمل وحساب هذا الشكل من أجل الصوت باستخدام الحاسوب ولكنه في النهاية أصبح شكلاً جمالياً. يقول لنا مهندس الصوتيات ياسوهيسا تويوتا (Yasuhisa Toyota): “إختراعُ سطح! أستطيع فقط أن أقول لكم، كم يجب أن يكون حجم البنيةِ فيه. لقد قمنا باستيحاء شكلهِ من القمم والقعور تماشياً مع الشكل العام للمبنى”. وهكذا وللبقاء في الصورة، فإن شكل الموجة يتسلل كعنصر أساسي من الواجهة الخارجية ولغاية سقف صالة الحفلات الموسيقية.
إنها لتلك الإرادةُ المتواصلة للتصميم التي جعلت من الايلبفيلهاموني في غاية الفخامة، الإرادة للمَجاز وجنون التفاصيل، للشعر والمكان. ايضاً الإرادة لتصحيح الأخطاء وخوض النقاشات العسيرة دون ضياع الهدف. هنا تقف الايلبفيلهاموني لشيءٍ أبعد بكثير من أفقِ هامبورغ؛ هي مبنى أوروبي غربي ملتزم بالثقافة والتكنولوجيا وهي رمز لبراعة المجتمع المنفتح. هي اليوم رمز ضروري أكثر من أي وقتٍ مضى والمفترض في الواقع أن يكون في برلين. ولكن هناك يتم بناء قصر بخلفية معمارية تاريخية، في مشهدٍ حضريّ غابت عنه الإرادة المستقبلية لمدة طويلة. ولهذا فأنها ليست العاصمة، بل مدينة التجارة هامبورغ هي التي تلتزم بمبادئ وقدرة وعظمة العالم الغربي.
المصدر هنا

عن Hussam Zidan

شاهد أيضاً

العالم على حافة ثورة السيارات الكهربائية

ترجمة : حسين حاتم الحافظ تصميم : ابراهيم الساكني براين كان محركات الاحتراق الداخلي تعتبر …

بإستخدام تقنيّة الطباعة ثلاثية الأبعاد؛ اعاد علماء بناء وجه مومياء لفتاة مصريّة!

قام فريق من الباحثين الأستراليين ببناء وجه لمومياء مصريّة عمرها 2,300 ألف سنة بإستخدام تقنيّة …