الرئيسية / كيمياء / بانوراما مثيرة لعنصر اليورانيوم؛ العنصر الاكثر جدلاً بين العناصر!

بانوراما مثيرة لعنصر اليورانيوم؛ العنصر الاكثر جدلاً بين العناصر!

انه العام 1938 حيث أكتشف أوتو هان”عالم كيمياء الماني” كميات مذهلة من الطاقة التي يمكن ان تنتج عن ذرة يورانيوم واحدة، وقال اوتو هان متنبئاً: انه فتح الطريق لمصدرا محتملا لطاقة غير محدودة من الكهرباء، ليس ذلك فقط، بل ربما ايضا ..القنبلة الذرية..

اما اليوم، فأن امكانات هذا العنصر تُشكّل معضلة جديدة واحدة من اهمها هو الانقسام حول الاثر البيئي لهذا العنصر.

من المفارقات حول هذا العنصر ان اولى استخداماته بالكاد تمت رؤيتها ولم يُلمّح ذلك العنصر وقتها للامكانات الهائلة التي يحتويها..

ففي اواخر القرن التاسع عشر تم اكتشاف بعض الخصائص الاخرى لهذا العنصر ..ففي عام 1896 وجد هنري بيكريل  ان الاشعة المنبثقة من املاح اليورانيوم قد اخترقت بل وضببت لوحة فوتوغرافية لم تُستخدم في التصوير بعد..وكانت طالبته للدكتوراه ماري كوري هي من اطلقت على هذه الخاصية”النشاط الاشعاعي” واستخدمت البادئة “راديو” وهي كلمة يونانية تعني شعاع.

إن مصدر تلك القوة الغامضة هو عدم استقرار ذرة اليورانيوم. فاليورانيوم هو ذلك العنصر الذي يمتلك 92 من البروتونات وهو اكبر عنصر موجود بشكل طبيعي على الارض، ونواته الضخمة هي عرضة للكسر والتجزئة مطلقة جسيمات الفا -والتي هي حُزم مكونة من اثنين من النيوترونات واثنين من البروتونات.

هذه الجسيمات المُطلقة هي في الواقع نوى ذرات الهيليوم، وهذا الاضمحلال الاشعاعي لليورانيوم والعناصر الاخرى غير المستقرة هو السبب في وجود الهيليوم على كوكب الارض..

جسيمات الفا تسيل خارجة من نواة اليورانيوم مثل شظايا الانفجار. جسيمات الفا تسير مثل صواريخ صغيرة في سرعة لا تُصدّق وهي 16093 كيلومترا بالثانية. وفقاً لمعايير الاشعاع انها ليست خطيرة جدا في هذه الحالة، فورقة كافية لحماية الجسم من اشعة الفا.

اليورانيوم عنصر غير مستقر لذا هو دائم الاطلاق للجسيمات وبالتالي فان عنصر اليورانيوم يضمحل، ويتحول لعنصر اخر، لذا فان اليورانيوم يُصبح عنصر الثوريوم ، الذي بدوره يصبح عنصر البروتكتيتينوم، وفي النهاية يضمحل لعنصر الرصاص. هذه العناصر المختلفة تنتج اشكال اخرى من الاشعاع -بيتا وغاما- والتي يمكن ان تخترق الجسم البشري وتنزل الضرر الكبير فيه.

حيث يمكن لهذه الاشعاعات الخطيرة ان تصطدم بالخلايا البشرية ويمكن ان تقتل الكثير منها، او يمكن ان تُعطّل خلايانا، التي في كثير من الاحيان يمكنها اصلاح نفسها لكن ليس دائما، كما ان الخلايا التالفة نتيجة الاشعاع يمكن ان تتكاثر بصورة عشوائية -اي مرض السرطان- او انها يمكن ان تتسبب بطفرات وراثية يمكن ان تؤثر في ابنائنا..

ماري كوري لم تكن تُقدّر المخاطر الصحية للاشعاع-يُقال ان كانت تحتفظ بقارورة متوهجة من النظائر المشعة بجانب سريرها بمثابة شمعة- الا انها، وكذا العديد من زملاءها، سيموتون نتيجة الامراض المرتبطة بالتعرض للاشعاعات.

العناصر المشعة  قد تكون خطيرة، لكن قد تنتج لنا مواد مفيدة ، حيث تنتج لنا غاز الهيليوم، وتنتج الحرارة. والحرارة الناتجة عن اليورانيوم لا تزال تلعب دورا حاسما في تشكيل البيئة المادية في عالمنا.

تشير التقديرات الى الانحلال البطيء لليورانيوم والعناصر المشعة الاخرى هو مصدر نصف الحرارة في باطن الارض اما الباقي فنتيجة العمليات الناتجة من تشكّل الارض. هذا يعني ان اليورانيوم وامثالها من النظائر المشعة قد ساهمت بشكل حرفي في تكون الارض مثلما نعرفها اليوم. الارث الحراري للعناصر المشعة ساهم في القوى التي كونت المجال المغناطيسي للارض، وساهم ايضا في قيادة حركة الصفائح التكتونية التي شكلت سطح الارض، وقد نحتت تلك الحركات التكتونية اليابسة التي نعيش عليها اليوم جميعا.

قدرة جنسنا البشري على اطلاق العنان للطاقة الكامنة في ذرات اليورانيوم ناتجة من قدرتنا على امتلاك هذا العنصر الغير آمن.

في الثلاثينات، اكتشف العلماء ان اطلاق نيوترون-جسيم تحت ذري ليس له شحنة- على بعض ذرات اليورانيوم يمكن ان يؤدي الى تقسيمها الى نصفين وهذا يؤدي الى انطلاق كميات هائلة من الطاقة.

شطر تلك الذرة يُمثّل حداً فاصلاً في التاريخ، هو الخطوة الاولى في تسخير قوة لا يُمكن تصوّرها الى الان!

تحركت الامور بسرعة بعد هذا الاكتشاف، كان العالم على شفا هاوية الحرب، وقد ادرك كل من الامريكيين والالمان القدرة التدميرية الممكنة لقنابل تقوم على شطر الذرة.

ان انشطار احد الذرات يمكن استخدامها لخلق سلسلة من ردود الفعل النووية، ففي كل مرة يتم شطر ذرة يورانيوم يتم اطلاق ثلاث نيوترونات والتي تؤدي الى المزيد من النوى المنشطرة والافراج عن المزيد من النيوترونات وهكذا..

هذا ما ادى لخلق التحدي عند العلماء لتطوير هذه الاسلحة الجديدة المرعبة للحصول على مواد انشطارية كافية.

مثله مثل العناصر الاخرى، لليورانيوم عدة اشكال تختلف فيما بينها تُعرف بالنظائر، والتي تختلف عن بعضها البعض في عدد النيوترونات في النواة. اليورانيوم الطبيعي هو خليط من نظيرين رئيسيين، لكن الاكثر شيوعا هو اليورانيوم 238 الذي لا يمكن تقسيمه بسهولة ويمثل 99.3% من اليورانيوم الموجود على سطح الارض. ما تبقى 0.7% هو النوع الانشطاري وهو اليورانيوم 235.

في عام 1942 قام فريق من العلماء من مشروع مانهاتن الامريكي ببناء اول مفاعل نووي في العالم بقيادة العالم انريكو فيرمي، وذلك على ملعب اسكواش في حرم جامعة شيكاجو ، كانت تعرف باسم Chicago Pile-1 والذي استخدمه فيرمي لبناء اول تفاعل تسلسلي مكتفي ذاتيا..

لقد بيّن فيرمي ان اليورانيوم الطبيعي وبنسبة منخفضة من المواد الانشطارية يمكن استخدامها لخلق سلسلة من ردود الفعل. لقد كانت”الخدعة” هي استخدام الجرافيت”كوسيط للتفاعل”، وهذا اعطى سلسلة من ردود الفعل عن طريق ابطاء النيوترونات ، مما يعطيهم فرصة افضل لشطر النوى الاخرى في التفاعل.

لكن الاصعب هو فصل يورانيوم 235 عن يورانيوم 238، فهما متطابقين كيمائيا تقريبا ولهما نفس الكتلة تقريباً، ورغم امكانية الفصل باستخدام اجهزة الطرد المركزي، الا ان تكنولوجيا الطرد المركزي كانت في مهدها ذلك الوقت، لذا كان علماء مشروع مانهاتن قلقين من عدم القدرة على انتاج ما يكفي من الكميات. لكن المفاعل النووي لفيرمي قدّم حلاً للمشكلة لانتاج القنبلة الذرية.

عندما يضرب احد النيوترونات النواة غير القابلة للانشطار في يورانيوم 238 فانه سيحولها الى عنصر جديد هو البلوتونيوم. نواة البلوتونيوم انشطارية وبذا  اصبحت اولى المصانع في العالم هي مصانع لتحويل اليورانيوم الى بلوتونيوم لتصنيع القنبلة النووية.

لقد تأكد نجاح مشروع مانهاتن لكن بطريقة فظيعة عندما اسقط الاميريكيون قنبلتين نوويتين-واحدة مصنوعة من اليورانيوم والاخرى من البلوتونيوم- على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في عام 1945.  القنبلتين قتلتلا اكثر من 150 الف شخص وبعدها بايام استسلم اليابانيون وتم انهاء الحرب العالمية الثانية.

ثم تبع ذلك ازمة كبيرة، فعلى مدى عقود واجه العالم ازمة الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي. الان اصبحت عواقب الصراع وخيمة جدا، حيث أدت تلك الحرب الباردة الى ظهور عقيدة “الدمار المتبادل المؤكد”mutually assured destruction ومختصره MAD وهو احد انسب المختصرات في التاريخ.

كانت عقيدة MAD أثرّت بشكل طائش على جانبي الصراع، مما جعلهما يسعيان لتطوير الاسلحة اكثر من اي وقت مضى لضمان توازن القوى. لكن في الوقت نفسه، تحوّل الانتباه الى استخدامات اكثر سلمية للانشطار النووي.

توليد الطاقة في المفاعلات النووية كانت فكرة ثانوية لحظة اكتشاف المفاعلات النووية، كما ان المفاعلات تحتاج الى عملية التبريد باستخدام الغاز عبر توربينات ضخمة.في الخمسينيات بدأ عهد جديد للبحث النووي، حيث وضعت امكانية تطوير المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء موضع النظر الجدي. اليوم يتم توليد نحو 10% من الكهرباء في العالم عبر المفاعلات النووية باستخدام ذرات اليورانيوم.

اما اليوم في المفاعلات الحديثة فأن الطاقة المولدة في قلب المفاعلات تعادل اكثر من ثلاث اضعاف تلك الطاقة المنبعثة من القنبلة التي دمرت هيروشيما، حيث تنشطر اكثر من تريليون ذرة يورانيوم في الثانية الواحدة في قلب كل مفاعل نووي لانتاج الطاقة.

هناك خطر ناتج من استخراج الطاقة النووية وهذا الخطر هو النفايات النووية وتلك النفايات جعلت تكنولوجيا الطاقة النووية غير شعبية في جميع انحاء العالم. لكن مع زيادة آثار الاحترار العالمي، فان ميزان المخاطر بدأ يتغير، حيث ان خطر الكارثة النووية يوزن بكمية انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب تغيّر المناخ.

هذه المسالة جعلت حركات المعارضة الخضراء ينقسمون الى معارضين ومدافعين عن الطاقة النووية، حيث يقول مارك ليناس-معارض للطاقة النووية واصبح من اشد مناصريها- يقول:

بدون الطاقة النووية سنخسر الحرب ضد ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث ان الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا يمكن الاعتماد عليها لانتاج الطاقة، بالاضافة الى ذلك ليس لدينا التكنولوجيا اللازمة لتخزين فائض الطاقة، لذا فان التكلفة ستكون العودة الى المحطات الغازية الضخمة الملوثة للبيئة”ويضيف مارك ليناس:”الغاز مُكلف للغاية للكثير من البلدان وبعض البلدان تنتج الكهرباء عبر الفحم، لذا احسن الخيارات هو اللجوء للطاقة النووية”فمثلا احدى المحطات النووية في بريطانيا تنتج 1200 ميكاواط ولتوليد نفس الكمية من الطاقة عبر الفحم تحتاج الى 40مليون طن من الفحم وهذا يؤدي الى انبعاث co2 بكثرة في الجو ، اما المحطات النووية فتنتج كمية ضئيلة من co2 وبذلك هي اكثر ملائمة للبيئة حسب ناشطين.

اما هانز جوزيف فيل، المتحدث باسم حزب الخضر الالماني والمعارض للطاقة النووية ،حيث يشير الى سلسلة من الحوادث الكارثية: انهيار جزئي لمفاعل ثري مايل ايلاند في ولاية بنسلفانيا عام 1979 وكارثة تشيرنوبل عام 1986 والذي ادى الى انتشار المواد المشعة حتى شمال اوربا ، ومؤخرا كارثة مفاعل فوكوشيما في اليابان.

كما يشير المعارض للطاقة النووية فيل ان هناك عشرات من الحوادث التي تسببت بمقتل عشرات الالاف او اصابتهم بحالات سرطانية وغيرها من الامراض الناتجة من التسمم بالاشعاع نتيجة النفايات النووية. اما المناصرون للطاقة النووية فيقولون ان عدد الوفيات نتيجة الصناعة النووية مبالغ فيه الى حد كبير فليس هناك اي دليل على موت اناس نتيجة مفاعل فوكوشيما وان الذين يموتون نتيجة التلوث من الفحم اكثر من الذين قتلوا من التسمم بالاشعاع خلال ال50 سنة الماضية.

في اعقاب كارثة فوكوشيما قررت الحكومة الالمانية اغلاق جميع محطات الطاقة النووية بحلول عام 2022 على الرغم من المخاطر الضئيلة للزلازل في المانيا ويصف مارك ليناس ذلك بانه كارثة بسبب زيادة انبعاثات الكاربون في المانيا على الرغم من الاستثمارات الضخمة في الطاقة الشمسية والرياح.

الاشعاع الناتج من المحطات النووية ليس هو الخطر الوحيد فهناك المخاطر الاقتصادية، فبناء محطات الطاقة النووية مكلفة للغاية وليس ذلك فقط، فأن كلفة اغلاق محطات الطاقة النووية ايضا مكلفة اقتصاديا.كما ان تخزين النفايات له ثمنه، فالوقود المشع المستهلك سيبقى لعشرات الالاف من السنين يضخ مواد مشعة خطيرة. كل هذه التكاليف لا تتم دون دعم من الحكومة ، وبالتالي سيكون لليورانيوم دعم كبير لاصحاب السلطة.

المصدر: هنا

عن Raad Talib

شاهد أيضاً

معدن المسكوفيت يقدمُ دليلاً على الكيفيةِ التي ينقلُ فيها الماء الأملاح

ترجمة : زينب عبد محمد تصميم الصورة: مكي السرحان لقد أظهر العلماء اهتماماً في تتبع …

أكتشف العلماء شكل جديد من الكربون قاس كالصخر لكن يتمدد كالمطاط

ترجمة: مريم فراس تصميم : مكي السرحان من خلال تسخين الكربون الى 1,000 درجة مئوية …